الوقت المتوقع للقراءة: 05 دقيقة و 11 ثانية

بمناسبة الحديث عن الضرائب أعجبني هذا الوصف التاريخي لماحدث في الشام بعد حملة محمد علي

بمناسبة الحديث عن الضرائب أعجبني هذا الوصف التاريخي لماحدث في الشام بعد حملة محمد علي .. حيث وصف الكاتب الوزير السابق محمد كرد علي في كتابه الرائع خطط الشام .. (3/68) كيف انتظمت حال الناس بالعدالة في اخذ الضرائب واستفادتهم منها وكيف دارت دورة الاقتصاد وعاد الناس لأراضيهم وعمروا مزارعهم وزادت مداخيل الدولة وتوقف أهل البوادي عن غاراتهم وانشغلوا بالرعي والزراعة بعد أن أزيلت الاقطاعيات وتحكم الأفندية ومكوسهم في تجارات الناس ... ,,

فضل حكم محمد علي:
كانت حسنات حكومة محمد علي في الشام أكثر من سيئاتها. وضعت أصول الإدارة والجباية ورفعت أيدي أرباب الإقطاعات وأعطتهم من الخزانة رواتب تكفيهم، ولم يخلص من ذلك إلا الأمير بشير الشهابي والي لبنان، فإنه نال ولايته
مباشرة من محمد علي في مصر، وظلّ يتصرف بلبنان، وبذلك رفعت سلطة المشايخ والأمراء المستبدين. قال مشاقة: كانت الدول التركية خبيرة بأحوال الشعب أكثر من الدولة المصرية فبعثت تدس الدسائس في المشايخ، وتغريهم بالمواعيد الفاحشة، ليحضوا الشعب على شق عصا الطاعة، طمعاً بإرجاع نفوذهم، وكان النصيرية أول من شق عصا الطاعة وتبعهم الدروز في حوران ووادي التيم، فقضى المصريون معظم أيام دولتهم في الشام بالحروب والقلاقل.
ومن مآثر الحكومة المصرية التي عددها مشاقة تجفيفها المستنقعات وتصريف الأقذار في مجار خاصة، وتحديد أسعار اللحوم، والعدل بين الرعايا على اختلاف أديانهم وطبقاتهم، لا تكلف صاحب الحق نفقة لتحصيل حقوقه، وإنفاق كل مال في وجهه المخصص له، ومع ذلك ظل الشعب يسومها العداوة ويناقشها الحساب، لأنه اعتاد أن يكون محكوماً لا حاكم نفسه، عبداً لا حراً. وأكد أن البريطانيين استخدموا رجلاً من رجالهم السياسيين اسمه ودد فجاء كسروان بدعوى أنه يريد تعلم اللغة العربية، وأخذ يبث الدسائس حتى أعلن الكسروانيون العصيان، وقاتلوا جيشاً من جيوش إبراهيم باشا وجيوش الأمير بشير، ودام القتال أياماً، وتغلب العصاة على إبراهيم باشا مراراً، وهي المرة الأولى التي ذاق بها إبراهيم باشا طعم الانكسار.
ومدح مشاقة الأمير بشيراً الشهابي الذي كان عضداً قوياً لإبراهيم باشا، وقد تولى حكومة الجبل من سنة 1785 إلى سنة 1840 وأرسلته الدولة لما استولتعلى الساحل إلى مالطة وبقي منفياً فيها زمناً ولم يستطع أن يعود إلى إمارته. قال إنه كان شجاعاً مقداماً، وقائداً محنكاً، وسياسياً داهية، خدم الجزار بكل أمانة ونشاط، وخدم خلفه وحفيده مثله، وخدم الدولة التركية والدولة المصرية، وكان يعطي لكل خدمة ودولة حقوقها، وكان صادقاً إذا وعد أميناً على واجبه، ولكنه لم يخدم لبنان
خدمة تذكر. وانتقد مشاقة حكومة محمد علي تقاعسها عن إشهار استقلالها عن الدولة التركية، مع أنه كان من أسهل الأمور بعد أن اكتسحت القطر، فلو نادى محمد علي بنفسه ملكاً مستقلاً وأرسل سفراء إلى عواصم الدول الأجنبية، وعقد معها المعاهدات الدولية لاعترفت له بالملك على الرغم من مقاومة دولة بني عثمان، ولو طلب منها الاعتراف بملكه واستقلاله عن الدولة التركية عقيب حادثة قونية، لأجبرتها على الاعتراف بسيادته لأنه استحال عليها إخراج جنوده من الشام، أو صد هجمات إبراهيم باشا وتقدمه إلى قلب عاصمتها، ولو فعل لكانت المملكة العثمانية عربية اليوم أو لكانت على الأقل أضيفت الشام إلى مصر وأصبح حظ القطرين واحداً. ولم يظهر سر امتناع محمد علي من الإقدام على هذا الأمر الخطير ولو فعل لغير حالة هذا الشرق القريب لا محالة.


رأي الغرباء في حكومة محمد علي:
أثبتت حكومة محمد علي في فتوحها أن المصري بل العربي إذا تهيأ له زعيم عاقل لا يقل عن الغربيين في سيرته وجلادته، وأنه لم يضره في القرون الماضية إلا فناؤه في الحكومة التركية، بدعوى أن الإسلام لا يفرق بين الأجناس، والعربي والتركي أخوان، وأن الظلم إذا جاء من مسلم كان مقبولاً!. وكانت حكومة محمد علي من أفضل ما رأت الشام من الحكومات منذ ثلاثة أو أربعة قرون، بل أن الشام في القرون الوسطى والحديثة لم تسعد بما يقرب منها فضلاً عما يماثلها.
كتب المستر برانت قنصل بريطانيا في دمشق إلى سفير دولته في الأستانة سنة 1858م ما تعريبه: لما كانت الإيالة تحت حكم محمد علي باشا عاد كثير إلى سكنى المدن والقرى المهجورة، وإلى حراثة الأرضين المهملة، وهذا ما حدث وخاصة في حوران وفي الأرجاء الواقعة حوالي حمص، وفي كل الجهات الواقعة على حدود البادية، وفي هذه الأماكن أكره العرب على احترام سلطة الحكومة،
وجعل السكان بمأمن من اعتداءاتهم. وكان الشام بأسره تحت إدارة شريف باشا وقيادة الجيش الذي يبلغ عدده زهاء 40 ألف جندي نظامي وغير نظامي بإمرة إبراهيم باشا، فبحسن إدارة الأول تضاعف نجاح الأهلين وحسنت المالية في هذه النواحي، كما أن نشاط إبراهيم وحزمه وطد الأمن ومدّ رواق الثقة، وقد عدت الحكومة ظالمة لكنها في الحقيقة لم تكن تستطيع غير ذلك، إذ كان عليها أن تصلح غدة أمور مختلفة، وأن تبدل الفوضى والتعصب والقلاقل التي كانت سائدة بالعدل.
وامتعض أصحاب المقامات العالية والأفندية والأغوات من ذلك كثيراً لأنهم كانوا يثرون من ابتزاز أصحاب التجارة والحرف وسائر الطبقات العاملة. وقد سر هؤلاء كل سرور لخلاصهم من الظلم الذي أنّوا تحت عبئه طويلا، واغتبط النصارى خاصة وفرحوا لنجاتهم من التعصب الذي أوصلهم إلى درجة من الذل لا تطاق. ولم يكن الفلاحون أقل سروراً منهم لأنه وإن كانت الضرائب المقررة تستوفي بكل شدة، لم يكن يستوفي منهم بارة زيادة، ولا تضبط حاصلاتهم وغلالهم، ولا يؤخذ منهم شيء دون دفع ثمنه، ولم يجبروا على تقديم خدمة دون بدل، وقد فرضت الخدمة العسكرية على المسلمين، وهذا الأمر الجديد كان ينبوع استياءٍ عظيم. أما النصارى الذين كانوا يدفعون الخراج فأعفوا من الخدمة العسكرية، والفلاحون الذين قطنوا القرى المهجورة أسلفوا مالاً لإصلاح بيوتهم وتموينها، وأعفوا من الضرائب مدة ثلاث سنين.
وقصارى القول أن جميع هذه المساعدات بذلت لزيادة الحاصلات، وكم من مرة ذهبت الجنود بإمرة إبراهيم باشا لإتلاف بيوض الجراد وما نقف منها وبفضل هذا الحكم الحازم العادل المحترم من الجميع أخذت البلاد تترقى في مدارج النجاح والنماء، فلو طال الحكم المصري على الشام لاستعادت قسماً عظيماً من وفرة
سكانها القدماء، وأصابت شطراً كبيراً من الثروة التي كانت في الماضي، وآثارها لم تزل ظاهرة للعيان في القرى والمدن العديدة في جهات حوران، وفيما وجد في البادية حيث ترى فيها الطرق التي اختطها الرومانيون.
قال: ولم يكد المصريون يطردون من القطر ويتقلص ظلّ سطوتهم وقد كانوا أخضعوا الجميع لحكمهم الشديد حتى عاد القوم إلى نبذ الطاعة وخلفت الرشوة والتبذير في إدارة المالية النزاهة والاقتصاد ومنيت المداخيل بالنقص، واستأنف عرب البادية غاراتهم على السكان فخلت القرى والمزارع المأهولة جديداً بالتدريج حتى أمكن القول إنه لا يوجد ثم ظل للأمن على الحياة والأملاك وكل شيء يدل على عودة حالة الفوضى إلى هذه الديار التي تركها المصريون.
هذه أجمل صفحة في وصف حكم محمد علي في الشام كتبها إنجليزي.

https://twitter.com/yblawi

رابط دائم رابط التغريدة 351
7:26 AM - 9/01/2017

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث