الوقت المتوقع للقراءة: 06 دقيقة و 18 ثانية

حول الموقف من الدولة المدنية ومن الديمقراطية - عزام التميمي



إن مصطلح الدولة المدنية مصطلح مصطنع في الخطاب السياسي العربي المعاصر، وإنما ابتكر ليستخدم تعويضاً عن مصطلح الدولة العلمانية. فالعلمانيون يقصدون بالدولة المدنية الدولة العلمانية، وذلك تهرباً من الحرج الذي يتضمنه مصطلح العلمانية. في اللغة الإنجليزية المدني يقابله العسكري، والثيوقراطي يقابله العلماني، ولكن العلمانيين العرب جعلوا المدنية مقابل للدينية، وهذا احتيال وخداع. وهو مصيدة وقع فيها بعض الإسلاميين الذين ذهبوا يدافعون عن أن الدولة في الإسلام إنما هي دولة مدنية.

ليس في الإسلام - الذي عليه أهل السنة والجماعة - سلطة دينية يقوم عليها البشر نيابة عن الله كما في حال الكنسية ولا يوجد في الإسلام رجال دين يدعون الولاية عن الله أو عن السماء، ولهم زي خاص بهم، وطبقة فوق العوام يدعون أنهم فيها الأقرب إلى الله. وما الأزهر وما الزيتونة، وما جامعات وكليات الدراسات الإسلامية في كل بلاد المسلمين، إلا معاهد ومدارس تختص بتدريس العلوم الإسلامية، لا عصمة للقائمين عليها أو العاملين فيها. إذ لا تجوز العصمة في حق بشر بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت بالدليل القطعي أن جل ما شكلته الأنظمة السياسية عبر تاريخنا، بما فيها الأنظمة العلمانية المعاصرة، من مؤسسات أو هيئات للعلماء، كباراً كانوا أو صغاراً، أو للتعليم الديني، تسعى هذه الأنظمة - فتنجح تارة وتفشل أخرى - إلى استخدامه في تبرير سياساتها وإضفاء مشروعية عليها. إنما جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام لتحرير البشر من التبعية والانقياد والخضوع لغير الله تعالى، ولا يكون خضوع المسلم لربه عز وجل وتوجهه إليه عبر وسيط أو شفيع، “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون”. 


مصطلح دولة مدنية بمرجعية اسلامية لا معنى له على الإطلاق، وذلك أن العلمانيين يقصدون بالدولة المدنية "الدولة العلمانية التي فيها فصل الدين عن الدولة”. أما الإسلاميون فيرون أن الدولة الإسلامية لا تكون إلا مدنية لأنه لا يوجد طبقة رجال دين أو مؤسسة دينية تدعي العصمة والنيابة عن الله. فماذا يعني أن نقول "دولة مدنية بمرجعية إسلامية"؟ لا معنى له إطلاقاً. ولعله ناجم عن حالة دفاع عن النفس غير موفقة. ينبغي أن يكتفي الإسلاميون بالقول إن الدولة في الإسلام أصلاً مدنية لأن مرجعيتها الأمة، وإذا كانت الأمة مسلمة فمن الطبيعي أن ينص دستورها على عدم جواز التعارض في التشريع مع ما هو قطعي الثبوت والدلالة من نصوص شرعية في القرآن والسنة.

وقد رأينا في مصر أن أكثر المطالبين بالدولة المدنية انحازوا إلى العسكر واستعانوا بهم للإطاحة بالرئيس الذي انتخبه الشعب وبالدستور الذي ارتضاه الشعب. فهؤلاء إنما كانوا يرفعون شعار الدولة المدنية حتى يقصوا الإسلام والإسلاميين، ولو كان الثمن تحول الدولة من مدنية إلى عسكرية. 

الديمقراطية بمفهومها ومدلولاتها لا تتعارض مع الإسلام ولا مع مفهوم الدولة الإسلامية. 

إلا أن الإشكال يتمثل في فهم بعض الناس للديمقراطية وفي تصور بعضهم لما تكون عليه السياسة في الإسلام. ما الديمقراطية إلا مجموعة من الآليات التي تمنع الاستبداد والفساد. وبحسب النظرية السياسية فإن المنظومة الديمقراطية التي تطورت عبر مئات السنين من الممارسة تشتمل على آليات أساسية، منها: ١) حق الناس في الانتخاب الحر والمباشر لمن يمثلهم أو يحكمهم على أن يكون الاختيار من بين بدائل حقيقية لا شكلية أو متوهمة. ٢) ضمان مجموعة من الحريات المدنية التي إن غابت فإن الناس لن تتمكن من ممارسة حقها الوارد في رقم (١) أعلاه، ومن هذه الحريات: حرية التعبير والنشر، وحرية التجمع، وحرية التنقل. ٣) ضمان حماية حقوق الإنسان الأساسية. ٤) الأغلبية تحكم ضمن برنامجها الذي انتخبت بناء عليه مع ضمان حقوق الأقليات المنصوص عليها (في الدستور عادة). ٥) سيادة القانون. ٦) المساواة أمام القانون. ٧) خضوع جميع مؤسسات الدولة بما فيها الأمنية والعسكرية لسلطة الشعب من خلال ممثليه في الحكم (البرلمان المنتخب في بعض النظم هو الذي يفرز الحكومة). ٨) ضمان عدم وجود أي جهات متنفذة بشكل سري وخارج طائلة المحاسبة والمسؤولية. ٩) الشعب هو مصدر السلطات وهو الذي يحاسب من يفوضهم لممارسة هذه السلطات وإدارة شؤون البلاد.

لعل بعض المسلمين يخلط بين الديمقراطية والعلمانية. أما الديمقراطية فهي باختصار ما وصفت آنفاً. وأما العلمانية فهي فلسفة ورؤية للإنسان والوجود تتعارض في مبادئها الأساسية مع رؤية الإسلام وفلسفته، فهي فلسفة ورؤية تقوم أساساً على استبعاد الله من حياة الناس إما بشكل تام “العلمانية الشاملة” أو بشكل جزئي “العلمانية الجزئية”. وقد فصل في ذلك أستاذنا المرحوم بإذن الله تعالى الدكتور عبد الوهاب المسيري، وهو خير من كتب في هذا الباب.

من الجدير بالتنبيه إليه أن العلمانية خرجت من رحم الكنيسة في أوروبا، وهي محصلة نضال دام قروناً طويلة ضد هيمنة قلة من الأمراء والملوك والرهبان والقساوسة باسم الله - تعالى الله عما يصفون - على ضمائر وعقول وأموال الناس هناك وعلى حياتهم. وما كانت أوروبا لتنهض أو لتتطور لولا أنها تحررت من تلك الهيمنة. أما في عالمنا العربي، فقد جاءت الفكرة العلمانية على ظهر دبابة المستعمر، وروج لها في البداية نخبة من الناس رباهم المستعمر على عينه في المدارس التبشيرية، أوهموا الناس بأن أمتنا ما كانت لتنهض إلا بما نهضت به أوروبا، أي بفصل الدين عن الحياة. 


أين حكم الشعب من مفهوم الحاكمية لله؟


مفهوم الحاكمية، ومثله كثير من المفاهيم والمصطلاحات، صاغها مفكرون ومجتهدون ظنوها في ظروفهم تجيب على تساؤل أو تبين مبهماً، لهم أجر اجتهادهم، ولكنها ليست ملزمة لغيرهم. إنما الملزم هو التعاليم المنصوص عليها والتجربة التاريخية الموثقة. ولو تأملنا في تجربة ممارسة الشورى في العهد الإسلامي الأول لوجدنا أنه من حيث المضمون لا تختلف أهداف ذلك النظام الإسلامي عن أهداف النظام الديمقراطي.


وقد يسأل سائل لماذا نحتاج للديمقراطية.


بالعودة إلى التجربة التاريخية عند المسلمين نجد أن المسلمين في بداية دولتهم كانوا يحكمون مجتمعاً صغيراً مارسوا في إدارته ما توارثوه وما تعلموه وما أبدعوه. وكانت ممارستهم في جزء منها امتداد لما كان يمارسه العرب في الجاهلية وكان يعتمد على أن لكل قوم كبير، وكبراء القوم هم الذين كانوا يجتمعون ليبتوا في الأمور، وإذا ما قطعوا أمراً التزم بقرارهم من يليهم. أن آليات ممارسة الشورى في العهد الأسلامي الأول لم تعد بعد سنين قليلة كافية ولا قادرة على ضبط الأمور وتحقيق الأهداف السامية للشوري، إذ اتسعت رقعة الدولة الإسلامية بشكل مفاجئ وسريع ودخل ملايين البشر في الإسلام وهم يحملون معهم كثيراً مما في مجتمعاتهم ودياناتهم السابقة من إرث ثقافي وسياسي. 

ومن يتأمل في الآليات الديمقراطية يجد أنها متوافقة مع متطلبات المجتمعات المعاصرة، وخاصة الدولة الحديثة، بما لها من مواصفات.

وأنصح من لديهم شكوك حول الديمقراطية أن يفكروا ملياً وأن يتزودوا بالعلم والمعرفة عما تعنيه وعن تجارب المجتمعات الإنسانية الأخرى. والسؤال الذي يتوجب علينا دائماً البدء به، ما هو الهدف من النظام السياسي في الإسلام؟ وبعد ذلك، نسأل عن الوسائل الأنجع في إنجاز هذا الهدف. والديمقراطية بآلياتها إنما هي اجتهاد بشري، وفيها عوار ونقص كان يشير إليه الفيلسوف الإيطالي نوربيرتو بوبيو بعبارته الشهيرة “الوعود المنكوثة للديمقراطية”. فهي ليس نظاماً مثالياً، ولكنها بلا شك أفضل ما هو متاح إلى أن يتاح ما هو أفضل. 

مشكلة بعض من يعارضون الديمقراطية أنهم يصنعون مشكلة من الأدوات والآليات دون النظر في الهدف الذي تستخدم من أجل الوصول إليه هذه الآليات، والتي هي ليست مقدسة وليست ثابتة وليست حكراً على أمة دون أمة.

بعض المسلمين يرتكبون ظلماً كبيراً حينما يظنون أن الإسلام ينبغي أن يفرض على الناس بالقوة وحين لا يقيمون وزناً لحق الناس في أن يختاروا بحرية من يحكمهم وكيف يحكمهم.

بل يظن هؤلاء بأن الشعوب العربية إذا أعطيت حريتها فقد تختار غير الإسلام، وهذا لعمري مزيج من جهل وكبر. جهل بشعوبنا واحتقار لها. ولو افترضنا جدلاً أن مجتمعاً من المجتمعات اختار معظم سكانه غير الإسلام شرعة ومنهاجاً، فمثل هذا المجتمع في حالته هذه يحتاج منا ليس إلى قتاله أو إكراهه بل إلى ممارسة الدعوة مع أهله لإقناعهم بما لدينا من بضاعة. ولا يكون لنا ذلك إلا في أجواء نظام سياسي يضمن حرية التعبير وحرية التجمع وحرية التنقل ويحمي الناس من الاضطهاد والتنكيل، وهذا هو الذي يقدمه النظام الديمقراطي.

أعجب من مسلم لا يثق بما لديه في دينه من قوة الحق ويخشى من منافسة الباطل في سوق مفتوحة للأفكار. إن أجواء الحرية لم تكن ولن تكون إلا لصالح الحق. أما الباطل فإنه لا يسود إلا في أجواء الكبت والقمع والإقصاء. 













 

رابط دائم رابط التغريدة 184
2:35 PM - 11/01/2017

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث