الوقت المتوقع للقراءة: 09 دقائق و 22 ثانية

أقترح عليكم ما ترجمته قبل نحو 4 سنوات: "الإنسان التغريدي ومسألة الزمن" L’Homo-twittus…⤵️

لا أقصد إحباطكم بهذا النص ولكن "الإنسان التغريدي" هو نص ترجمته لكم لأنه فعلاً حَرِيٌّ بالقراءة المتأنية وبتعليقاتكم التي تهمُّني بنفس الدرجة.
L’Homo-twittus et la question du temps
"الإنسان التغريدي ومسألة الزمن"
بقلم الكاتب الفرنسي يان مووا Yann Moix :
سجلت للتو في موقع تويتر. ولن أبقى فيه لمدة طويلة. أسبوع واحد على الأكثر. وبعده سأعود إلى القراءة، أي إلى هذا البعد الأساسي للزمن، إلى هذا التمزق في الزّمكان (الزمان والمكان) l’espace-temps. نحن لا نعيش في حالة تسارع للوقت، وإنما في إفراط فيه. وبتعبير أدق: نعيش في مجتمع الإفراط في إنتاج الزمن الحاضر. تويتر وفيسبوك وويكيليكس وشبكات التواصل الاجتماعي والرسائل الفورية، تمثل جمعيها شبكة يكون فيها التزامن هو السائد على كلِّ شيء: كلُّ شيء على المباشر، وفي أسوأ الأحوال، مُسَجّل. ولكن المُسَجّل لا يُعتبر بمثابة تدفق: وإنما ينظر إليه على أنه تزامن متأخر، أو محض لحظة لم تصل في الوقت المحدّد، أو كحاضرٍ présent لم يُنجز عملَه. إن كمية الحاضر المعروضة قد أصبحت مروِّعة. لم نكن نعرف أن اللحظة يمكن لها أن تحتوي على كل هذا الآن. في السابق (قبل خمس سنوات، أي ما قبل التاريخ) كان الحاضر معاشا ببساطة. اليوم، صارت تتم مناقشته ونقله. وهذا يعني أن كل واحد ينشر تعليقات الجميع، والجميع يعلق على ما ينشره كل واحد. صار الحاضر مندفعا ولا يتوقف أبدا، لا من أجل العودة إلى الماضي، ولا، بالتالي، من أجل التطلع نحو المستقبل. نقدم حاضرا منذورا لأن يبقى حاضرا. حاضر بمنسوب تذكاري منخفض وبضعف في القدرة الإستباقية. نعم، ننتج حاضرا زائدا عن اللزوم، ونملؤه بأكثر مما يمكن أن يحتويه، اللهم إلا لكي يُمحَى في كل ثانية، أو لكي يَمْحِي على الدوام هذه الذاكرة التي لم يعد في مقدوره نقلها لكونه مكتظا ومشبعا. نحن في عصر الحاضر المكعب، حاضر مرفوع إلى قوة عشرة، مرفوع، وهذا الأسوأ، إلى قوة نفسه. نحن، وعلى نحو لا رجعة فيه، ندخل عصرَ حاضرٍ أُسّي exponentiel ومُكَرّر المعنى. هذا الحاضر، الذي يعتمد فقط على نفسه، إنما هو قائم على سلطته وحدها فقط، وباستمرار يخفف عن نفسه مما يثقله؛ أما الماضي فهو ليس سوى موضوع تهكم.
لم نكن نعرف أن الحاضر يمتلك هذا القدر من التمدد وأنه مرن إلى هذا الحد. ثم إنه إلى جانب هذا الحاضر، لا وجود أبدا للآتي. والأخطر من ذلك: لا يمكن للمستقبل أن يوجد. ولا مجال هنا للتأكيد على الفرق بين الآتي والمستقبل: الآتي le futur هو المُحتوي (بكسر الواو)، والمستقبل l’avenir هو المُحتوَى (بفتحها). غير أن الحاضرle présent يبتلع كل شيء: فهو يخلف نفسه لأنه بالكاد يكتمل حتى يولد من جديد في الشكل المغرَّد به (tweetée) من صُلْب تعليقه الخاص، يصبح مُشَوَّهَ الشكل، ويرحل من لا شيء تقريبا لكي صبح كل شيء تقريبا. حاضر اليوم لا يستدعي أية مستقبل؛ إنه يستنسخ صورته لنفسه، إلى ما لا نهاية، مثل الخلية المريضة. ليس حاضرا مُعَدّا لكي يمر بل لكي يدوم ويتمدد. باعتباره تعليقا على نفس تعليقه هو، وباعتباره هو وحده موضوع علمه الوحيد، فليس له غير ذاته كهاجس أوحد، وكموضوع أوحد حيث بالمناسبة هو فقط المادة الوحيدة لهذا الموضوع. إنه حاضر لا يترك مجالا لشيء آخر غير نفسه. في هذه الحالة، نحن نعيش في حاضر مهيمن. الماضي لم يعد يحكم شيئا، التقاليد تتلاشى، الذاكرة مزدراة، هذه الذاكرة محتجزة أساسا بسبب هذا المسلك الدنيء المتمثل في ظاهرة إحياء الذكرى التي تتيح للحاضر تعزيز سلطته، ومضاعفة قوته، وبسط نفوذه، وتوسيع جغرافيته، واكتساب المزيد من المساحة. أما الآتي، فهو على الدوام ملقى في مكان آخر غير قابل للتحديد: وهو لم يعد يبدو منتميا حقا إلى الزمن. هذا الآتي أصبح نوعا من المقعد الخلفي، متروكا إلى جنب، لم يعد من قبيل "الما- بعد" وإنما من قبيل الجانبي والفرعي والهامشي. لا يسمح له بأن يوجد إلا عرضا، وسوف يبحث المرء عنه عندما يكون هناك احتمال لأن يحتاج إليه.
ولكن حتى الماضي لا أحد راض عنه. فهو أيضا مقتول بفعل ظاهرة إحياء الذكرى. إحياء الذكرى هو قبر الذاكرة، هو لَحْد يأتي ليُغطّيها، ومن هناك يُطلب منها عدم الفرار نهائيا. إحياء الذكرى إنما هو كمامة الذاكرة، وهو الذي يطلب من الماضي التذكاري بأن يكف عن التدفق، بأن يعطل قدرته على الحركة، بأن يوقف تأرجحه بين النسيان وقرون الدهر؛ إحياء الذكرى هو الشاهدة. هو الذي يطلب من الماضي التذكاري أن يصير ماض محض تاريخي: مُغلق. أن يصير مُسمّرا على تاريخ مُحدّد، أو بالأحرى مُحاطا بتاريخيْن، كما هو الشأن للوجود الإنساني: تاريخ ميلاد الحدث - تاريخ إحياء ذكراه؛ وفي ما تبقى من الوقت يكون ميتا. إن إحياء الذكرى يؤكد موت الماضي.
والذاكرة تتيح للماضي الارتقاء إلى مستوى الحاضر والاستمرار في أن يحيى فيه حياته. يبقى من الضروري لنسيج الحاضر أن يتيح له ذلك، ويبقى من الضروري أن يقبل الحاضر وجود جسم غريب في أنسجته. إن الإنسان الحديث، الإنسان التغريدي L’Homo-Twittus لا يرمي نفسه في شيء آخر غير محيطه الخاص به. إنه أرشيف نفسه ومنظوره الخاص. الإنسان التغريدي لا يتوقف عن أن يكون هُنا، على أن يكون هُنا الآن. إنه مُخدَّر بهذا الهُنا والآن Hic et nunc.
لهذا الأمر أسباب عدة: أولا، أنه يخترع بنفسه شهرته؛ شهرة لم تعد مرتبطة بعمل ما، بخبرة عملية، بإنجاز حاصل، أو حتى بالوعد بإنجاز عمل ما، وإنما هي شهرة تستند على أقصى تراكم للحاضر: وهكذا، يتم رصد "أصدقاء" (بكميات تاجر الجملة) على الفيسبوك أو من "متابعين" (مشاركين) على تويتر بنفس الطريقة التي يتم بها حساب وتجميع كيلومترات الخطوط الجوية الفرنسية. من هنا نكون أمام شهرة مكتفية ذاتيا ومعتنية بذاتها لوحدها، ومزودة بخيالها الخاص بها. شهرة متحققة باسم واقعيتها الافتراضية المتفردة. إنها شهرة عاضّة لذيلها: ليس فقط أني شهير لأنني شهير، ولكن هذه الشرعية تكف عن أن تكون نوعية لتصير كمّية. نُكدّس المعجبين حتى قبل أن نقرر بأي صفة سنُرضي هذه الشهرة. والنتيجة سخيفة بامتياز، وبذيئة للغاية وهي تشبه مناظرة في الوجاهة: لا يُكافأ من عَمَل، ولكن يُكافأ الخَامل الذي كدّس. العوز لم يعد صالحا: علينا أن نطفو من جديد. أن نجمع مخزونا ليس من آراء وأفكار، أومن حياة داخلية، وإنما من حياة خارجية تتم متابعتها خطّا بعد خطّ، ثانية بثانية، من طرف سلسلة من حيوات أخرى لا أعمال لها وهي أكثر خمولا.
ثم هناك هذا المرض الذي ينطوي على تصور للكتابة، ليس كموقع محتمل للكلمة، أو كموقع لكلمة ممكنة، ولكن كفسحة لا تنتهي من الثرثرة. عادة، يُفترض من التعليق أن يثري ما تم التعليق عليه (أي، الحياة، أو العمل المنجز). هنا، التعليق يُفقِر، بِلَغْوِهِ، بغروره، بتهكمه الدائم، باستهزائه المتواصل. إنه يزيد من تفاقم حالة تخصُّ إمّا نَصاّ أو تجربة معاشة، أصلييْن وهما أساسا سيئين. أقول "تجربة معاشة" ولكن التجربة المعاشة تتحول تلقائيا إلى كتابة. لم تعد التجربة المعاشة سوى ذريعة للكتابة. ولكنها كتابة بلا كلمة، كتابة تفتقد إلى كل أشكال الشعر: كتابة لا تضع التجربة المعاشة في كلمات، في فكر، لا تضعها في موضع الخطر أو في موضع التساؤل. إنها كتابة ماكينة لتسجيل المدفوعات النقدية. هي تقرير إخباري تم تفريغه، و"تفريغه" هُنا بمعنى استفراغه كالقيء. هنا تصبح الكتابة، ليست حتى كثمرة للتجربة المعاشة، فهذا يعني أننا نطلب الكثير، ولكنها تصبح إفرازا. ذلك أن الحاضر، وهو في حالة عسر هضم دائم لمادته الخاصة به، يفرز نفسه على شكل إملائي، مختصر، منصوص textoïsé ومغرَّد به twitté : إنه في تراسل مستمر مع جميع مراسلي العدم المتزامن هؤلاء الذين يمنحونه حياة عبر وصفهم لحياتهم.
ولكن، كما أن المستقبل متعال على الآتي، فإن الوجود هو ميتافيزيقيًا متعالٍ على الحياة. لهذا لا يكفي للمرء أن يَحْيَى لكي يكون موجودا. ثم إنه يضيف إلى هذه الحياة، المُعاشة وليست "الموجودة"، مِلفا مُرفَقا، كما هو شائع عند إرسال البريد الإلكتروني: ملف مكتوب. هكذا يتم التعليق على اللاشيء بلاشيء. أن التعليق والشيء المعلق عليه يتبادلان الهضم في هذا الحاضر الذي لم يكن موجودا قبل خمس سنوات، في هذا الحاضر الجديد، المخترَع حديثا، والمقترح حديثا على الجماهير. أمّا عن الحاضر القديم، فيتساءل المرء إلى أين مضى. يتساءل إلى أين رحل، أين يعيش، وكيف يعيش، وبماذا.
مع هذا، فهو موجود منكفئا في دواخل البعض القليل. وكما ذكر "أندريه جيد" André Gide، هذا البعض القليل هو الذي سينقذ العالم (ربما، فلا شيء مستبعد). إنه موجود في القراءة، ليس في الكتب بل في القراءة. هو مخصص لأولئك الذين يعرفون كيف ينقطعون عن الحاضر كما هو معروض حاليا في شكله التقني- الترفيهي. هو مخصص لنخبة المتمردين على هذا "الحاضر المرفوع إلى قوة الحاضر" والمذهل بنرجسيته ولَغْوه، لأولئك الذيـن يعلمـــون ويريدون قطع الاتصــال. قطع الاتصــال هـــذا (se dé-brancher بمعنى الانفصال عن الغصن/المترجم): يعني ترْك الغُصْن، وترْك شبكاته التي لا حصر لها من الفروع التي فوقها تنمو مليارات البراعم في الثانية، وبراعم تنمو من هذه البراعم، وفروع من الفروع، وشبكات من الشبكات، وأصدقاء من أصدقاء الأصدقاء، ومعجبون من المعجبين بالمعجبين، ومشتركون من المشتركين مع المشتركين.
الواقع الافتراضي للأصدقاء يتيح تخزينهم في الزمن الحاضر إلى الحافة القصوى من استحالة الضغط incompressibilité. أما الأصدقاء الحقيقيين بحق، أصدقاء الواقع، أصدقاء الحياة الحقيقية، فهم أقل عددا ولكنهم يأخذون مساحة متزايدة. ويتسببون في خلق إعاقة فراغية encombrement stérique. بينما الأصدقــــاء الافتراضيون، يمكن جنيهم ومراكمتـــهم. إنهم ليسوا أصدقاء حقيقيين ولا حتى وهميين، وإنما هم أصدقاء- أوعية حيث، وكما هو الحال في عرض مسرحي نكون فيه في وقت واحد، الشخصية الرئيسية والعرض ، لن يكون أمامنا سوى أن نحقن فيهم مخاوفنا وانتظاراتنا وعُصابنا وأحكامنا ومتطلباتنا، وأسوأ من ذلك: تفضيلاتنا. إن إنسان اليوم، الإنسان التغريدي، هو إنسان يسترشد بالتفضيل، يعلن عن تفضيلاته في انتظار أن يتحقق من تفضيلات غيره. وهكذا يتم تبادل الشم (جسّ النبض/المترجم) بواسطة التفضيلات.
نحن اليوم في حاضر مكون من نتوءات لا حصر لها، حاضر يرتد على ذاته إلى ما لا نهاية، غير قادر على التحرك نحو الآتي، وأعجز من ذلك نحو المستقبل: فهو، بالتالي، غير قادر على الانعتاق من نفسه، حاضر غير قادر على النمو، حاضر يرفض أن يتقادم، حتى ولو لثانية واحدة أو لجزء صغير من هذه الثانية نفسها. حاضر لا ماضي له، حاضر يرفض التسليم للمستقبل. هذا هو التعريف الأمثل لحاضر طفولي، وحتى صبياني: لحاضر يتقمص شخصية الطفل، لحاضر- طفل. أن ترسم حاضرك الخاص بك فوق الحاضر المعدل، فوق الحاضر الضامر، فوق الحاضر المُحدَّث، يعني أن تستمر (مع أصدقاء من بشر من لحم ودم) في رغبتك بأي ثمن، في أن تكون بالغا سن الرشد في مجتمع لم يبلغه ويمنعك عن بلوغه.
صَبْيَنةٌ Infantilisation عن طريق اللعب ومفاتيحُ الألعاب، والرّسوم المتحركة للبالغين، والهاتف المحمول المزوّد بتقنيات كمالياتية gadgétisé على طريقة معروضات مجلة "بيف" Pif. كل شيء يتحول إلى لعب، إلى تعامل لاعب، إلى وظيفة ترفيهية. إن المقصود هو الترفيه. الترفيه عن الإنسان لكي يُنتزع من داخله أي إمكانية لأن يفكر كشخص راشد وأن يبدع كإنسان وأن يثور كمواطن. كل شيء تقييد، كل شيء قميص المجانين: ولا أحد يدرك ذلك. هناك فاشيةُ ترفيه. هناك شمولية تغريدية، إذ بإغراقها للإنسان في حاضر معدل وراثيا ومصمم خصيصا على مقاس الترفيه المُعمّم، فهي تمنعه عن التذكر وعن التطلع وعن بناء نفسه وعن تحرره. أن تعيش اللحظة الراهنة كنتيجة مطلقة، كنمط وجودي وحيد وممكن، هو أن تكون دائما ميتا بالفعل. وهذا ما لم أستطع أن أقوله في 140 حرفًا. / يان مووا
ترجمة إلى العربية : محمد الرفرافي / 2013
النص الأصلي بالفرنسية⤵️
https://laregledujeu.org/2012/01/26/8710/l%E2%80%99homo-twittus-et-la-question-du-temps/

رابط دائم رابط التغريدة 141
9:11 AM - 29/12/2017

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث