الوقت المتوقع للقراءة: 37 دقائق و 12 ثانية

الإنصاف في بيان شيء من أحكام الخلاف

الإنصاف في بيان شيء من أحكام الخلاف

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون، وصلَّى الله وسلَّم على من أدَّى الأمانة ونصح الأمَّة وجاهد في الله حقَّ جهاده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمن المعلوم أنَّ مسائل الشَّرع منها ما هو من موارد الاتِّفاق والإجماع، ومنها ما هو من موارد الخلاف والنِّزاع، وهذه الأخيرة منها ما يسوغ فيه الاجتهاد، ومنها ما لا يسوغ فيه ذلك، وما كان سائغا فيه الاجتهاد فهو ممَّا لا ينكر فيه على المخالف إلَّا ما يكون من المباحثة والمناظرة، وهذه المسائل هي التي يكون فيها الخلاف قويًّا معتبرا، ويجمعها ما قرَّره الشَّيخ تقيُّ الدِّين= أنَّها «ما ليس فيها دليل يجب العمل به –أي إعماله- وجوباً ظاهراً»، وما ليس كذلك من المسائل التي يكون فيها الخلاف ضعيفا غير معتبر، فلا زال أهل العلم سلفًا وخلفًا من عهد الصَّحابة إلى يومنا هذا ينكرون فيها على المخالف ويردُّون عليه، سواء أكان ذلك في مسائل الغيب والعقيدة أم مسائل الفقه والشَّريعة، وهي بأن يكون القول المقابِل للصَّواب مخالفًا لنصٍّ صريح واضح من كتاب أو سنَّة صحيحة، أو مخالفا لإجماع منعقدٍ ثابت، أو مخالفًا لقياس جليٍّ صحيح، أو مخالفا للقواعد الشَّرعيَّة، على خلافٍ بين أهل العلم في الأخيرين كما سيأتي بيانه، ويجمعها قولنا «ما ليس عليه دليل، أو فيها غَلَطٌ في فهم الدليل –أي جنسه-»(1)، وكلُّ هذا خلافا لما شاع –وهو غير صواب- من قول بعضهم: «لا إنكار في مسائل الخلاف»، وصوابها: «لا إنكار في مسائل الاجتهاد»، أو «لا إنكار في المسائل التِّي يسوغ فيها الاجتهاد».

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (رحمه الله) :«وقولهم: «مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل؛ أمّا الأوَّل فإذا كان القول يخالف سنَّة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: «المصيب واحد»، وهم عامَّة السلف والفقهاء، وأمَّا العمل فإذا كان على خلاف سنَّة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار، أمَّا إذا لم يكن في المسألة سنَّة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً».

قال الشَّيخ مبيَّنا سبب الغلط: «وإنَّما دخل هذا اللَّبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصَّواب الذي عليه الأئمَّة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ إذا عُدِم ذلك فيها الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها» انتهى باختصار [بيان الدليل على بطلان التحليل (ص 145-146) ت السَّلفي، (210-211) ت المطيري].

وقال أيضاً : «مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه» [مجموع الفتاوى (20/207)]

وقال ابن القيِّم (رحمه الله) بعد نقل كلام ابن تيميَّة السَّابق:«وكيف يقول فقيه: «لا إنكار في المسائل المختلف فيها»، والفقهاء من سائر الطَّوائف قد صرَّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنَّة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟!»
وقال (رحمه الله): «والمسائل التي اختلف فيها السَّلف والخلف وقد تيقنَّا صحَّة أحد القولين فيها كثير»، وذكر أمثلة عدَّة لذلك، ثمَّ قال: «ولهذا صرَّح الأئمَّة بنقض حكم مَنْ حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها، على كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره» [إعلام الموقعين (5/243-247) ت مشهور]

وقال في شرح المنهج المنتخب: «وقال أيضا –أي المقَّري-: قاعدة: لا ينقض قضاء القاضي إلا في أربعة مواضع: إذا خالف الإجماع أو القواعد، أو القياس الجليَّ أو النصَّ الصَّريح...وقد نظم بعض النبلاء المواضع الأربعة التي ينقض فيها حكم الحاكم فقال:

إذا قضى حاكم يوما بأربعة ... فالحكم منتقض من بعد إبرام
خلاف نصٍّ وإجماع وقاعدة ... ثمَّ قياس جَلَيٍّ ترك إبهام

وفي الكليَّات للمقري:كلُّ حكم خالف النصَّ أو الإجماع، أو كان عن غير دليل، أو أخطأ المذهب المقصود، وقيل: أو القواعد، أو القياس الجليِّ، فإنه يفسخ، وإلَّا فلا، إلا أنه ينقض ما ظهر خطؤه من أحكام نفسه» اهـ [شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب (147/1)].

وقال النَّووي (رحمه الله) في «شرح مسلم«: « قال العلماء : لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِض عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إِذَا لَمْ يُخَالِف نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا».

وقال الشَّيخ محمَّد علي فركوس (حفظه الله) عند كلامه عمَّا ينقض به حكم الحاكم من جهة الاجتهاد –مجملا بعض ما تقدَّم-: « وأمَّا الخطأ في الاجتهاد فينقض وجوبًا بمخالفة نصٍّ صريح من كتاب أو سنة ولو كانت آحادًا، أو مخالفة إجماع قطعي، وينقض -أيضا- وفاقًا لمالك والشافعي بمخالفة القياس الجليِّ خلافا لأكثر الحنابلة، وزاد مالك أنه ينقض بمخالفة القواعد الشرعيَّة«. [موقع الشَّيخ الفتوى رقم: ٤٥٧ الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه، في الاعتداد بحكم الحاكم في رفع الخلاف].

وقال الشَّيخ المجدِّد محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله): «…فإن أراد القائل مسائل الخلاف، فهذا باطل يخالف إجماع الأمَّة، فما زال الصَّحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان، ولو كان أعلم النَّاس وأتقاهم، وإذا كان الله بعث محمَّداً بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتِّباعه، وترْك ما خالفه؛ فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه، وإن أريد بمسائل الاجتهاد؛ مسائل الخلاف التي لم يتبيَّن فيها الصَّواب فهذا كلام صحيح، ولا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة النَّاس، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم، وهذا كلُّه داخل في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾»[الدرر السنية (4/8)].

وعلى كلِّ حال ليس للمخالف –مهما يكن- أن يتمسَّك باختلاف العلماء؛ ويترك اتباع الدَّليل الرَّاجح والإذعان له، لأنَّ اختلافهم ليس بحجَّةٍ، وقد نقل ابن عبد البرِّ -رحمه الله- الإجماعَ على أنَّ الاختلاف ليس بحجَّةٍ فقال: «الاختلاف ليس بحجَّةٍ عند أحدٍ علمتُه من فقهاء الأمَّة إلاَّ من لا بصر له ولا معرفةَ عنده ولا حجَّةَ في قوله«[جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (٢/ ٩٢٢)].

وخلاصة الكلام= أنَّ جميعَ مسائل الشَّرع؛ المتَّفق عليها والمختلف فيها الحقُّ فيها واحد لا يتعدَّد من حيث العلمُ وواقعُ الحال، والمسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد الحقُّ فيها واحد لا ينبغي أن يتعدَّد من حيث العملُ، وما يسوغ فيه الاجتهاد فالأمر فيه سعة، مع وجوب استفراغ الوسع –كلٌّ بحسبه- في طلب الحقِّ والراجح من الأقوال الذي تعضده الأدلَّة.

فصل

هذا، وإنَّه ممَّا لا ينبغي إغفاله في هذا الباب، وهو لصيق بباب الدَّعوة إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، بل هو منه، مأخذٌ جليل يغفل عنه كثير من النَّاس ممَّن أولعوا بالمخالفة وتتبُّع شواذِّ المسائل وشواردها، ومن ثمَّ الإغراب بها، وادِّعاء العلم والفقه بإظهارها، أو غيرهم ممَّن يقع في ذلك ممَّن ليس على شاكلتهم، وهو –أي المأخذ- أنَّ «الخلاف شرٌّ، ووجوب الاعتصام بحبل الله جميعا، ومراعاة مصلحة تأليف القلوب واجتماع الكلمة».

فالشَّأن أنَّ من قواعد الشَّرع الجليلة، وأسسه المتينة، ومقاصده المرعيَّة؛ الاعتصام بحبل الله جميعا، واجتماع كلمة المسلمين، والعناية بتأليف قلوبهم، وتثبيت أواصر المحبَّة بينهم، والسَّعي في صلاح ذات بينهم، ونبذ الفرقة والاختلاف، ودَرء كلِّ ما يورث التباغض والتَّنافر، ودفع كلِّ ما يسبب الفُرقة والتَّدابر، قال الشَّيخ ابن تيميَّة (رحمه الله): »وهذا الأصل العظيم -وهو الاعتصام بحبل الله جميعًا وألاَّ نتفرق- هو من أعظم أصول الإسلام، وممَّا عظمت وصيَّة الله تعالى به في كتابه، وممَّا عظم ذمُّه لمن ترَكَه من أهل الكتاب وغيرهم، وممَّا عظمت به وصيَّة النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في مواطن عامَّة وخاصَّة» [مجموع الفتاوى((22/ 359].

وقال كذلك (رحمه الله): »وتعلمون أَنَّ مِن القواعد العظيمة التي هي من جِماع الدِّين؛ تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البَين؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1]، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]، وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفُرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أَنَّ الخارجين عنه هم أهل الفُرقة» [مجموع الفتاوى 28/ 51))].

وقد كان هذا –أي الحرص على الألفة والاجتماع- من أوضح هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم، قال الشَّوكانيُّ (رحمه الله): «وكان - صلى الله عليه وسلم - يُرشد إلى الأُلفة واجتماع الأمر، ويُنفِّر عن الفُرقة والاختلاف؛ لما في الألفة والاجتماع من الجلب للمصالح والدفع للمفاسد، وفي الفُرقة والاختلاف من عكس ذلك» [أدب الطَّلب ومنتهى الأرب ص (188)].

والمقصود أنَّ المسائل التِّي تقدَّم الكلام عنها ممَّا يسوغ فيه الاجتهاد، وما كان من قبيل اختلاف التَّنوُّع لا التَّضادِّ، يؤدِّي التَّحامل فيها على المخالف، والتعصُّب لقول دون قول، وتفضيل هدي على آخر من غير مرجِّح شرعيٍّ، كلُّ هذا يؤدِّي إلى وقوع شرٍّ ونزاع، ويؤدِّي إلى وقوع وحشة في القلوب وتنافرٍ بينها، ويؤدِّي إلى فتنة العامَّة ومن لم يحكِم مسائل العلم من الطَّلبة، وإلى التشويش على النَّاس في أمور دينهم وعباداتهم، ممَّا يترتَّب عليه من المفاسد ما يترتَّب! ومن هذه البابة العملُ ببعض السنن والمستحبَّات في بعض الأحوال والأزمان غير المناسبة والمواتية، كما سيأتي بيانه.

فقد جاء في موطَّأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد والصَّحيحين عَنْ عَائِشَةَ (رضي الله عنها) أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: «لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ».

وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والبيهقي وغيرهم عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، قال: صلَّى عثمان بمنى أربعاً، فقال عبدُ الله: «صليتُ مع النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - ركعتين، ومَعْ أبي بكر ركعتين، ومع عُمر ركعتين - زاد عن حفص - ومع عثمان صدراً من إمارته، ثم أتمَّها، - زاد مِن ها هنا عن أبي معاويةَ - «ثم تفرَّقت بكم الطرقُ فلودِدتُ أن لي مِن أربع ركعات ركعتينِ مُتقبَّلَتَين»، قال الأعمش: فحدثني معاويةُ بنُ قرة عن أشياخه أن عبدَ الله صَلَّى أربعاً، قال: فقِيْلَ له: عبتَ على عثمان، ثم صليتَ أربعاً، قال: «الخلافُ شَرٌّ».

وفي رواية للبيهقيِّ عن مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، بِوَاسِطَ، عَنْ أَشْيَاخِ الْحِيِّ قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ الظُّهْرَ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللهِ فَعَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي رَحْلِهِ الْعَصْرَ أَرْبَعًا، فَقُلْتُ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ وَصَلَّيْتَ أَرْبَعًا؟ قَالَ:«إِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ». قال البيهقيُّ: «وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ».

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (رحمه الله):» ويستحبُّ للرَّجل أن يقصِد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبَّات؛ لأن مصلحة التَّأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه مُتمًّا، وقال: «الخلاف شر»» [مجموع الفتاوى (22/ 407)].

وقد سألت شيخنا عبد الغني عوسات (حفظه الله) عن هذا المأخذ في مسألة فرعيَّة فأقرَّه وقرَّره بما ضمَّنته فيما تقدَّم.

وقال الشَّيخ محمَّد علي فركوس (حفظه الله) عند كلامه عن عاقبة التَّحامل في موارد الاجتهاد: «...علمًا أنّ مسألةَ الاختلاطِ في بُعدِها وخطرِها ومكانِ تواجدِ فتنتِها والاضطرارِ إليها من مسائلِ الاجتهادِ الفقهيِّ الذي لا ينبغي أن يُوجِبَ عداوةً بين الإخوةِ في الإيمانِ، لاختلافِ النّاسِ في قوّةِ اجتهادِهم ونظرِهم وسَعَةِ مداركِهم وعلمِهم بأحوالِ بلدِهم وقطرِهم، كما لا ينبغي أن يصحبَ الخلافَ الفقهيَّ تعصُّبٌ للرّأيِ وتعنُّتٌ في الموقفِ، الأمرُ الذي يُفْضِي إلى العداوةِ والبغضاءِ والتّقاطعِ والتّدابرِ، وما يستتبعه من هشاشةِ الرّوابطِ الأخويّةِ وانفصالِها بأدنى خلافٍ فقهيٍّ».

واستشهد لذلك مقرِّرا مذهب السَّلف في هذا الباب: «ولا يخفى أنّ مصادرَ الفقهِ المقارِنِ كـ:«المحلّى» لابنِ حزمٍ، و«بداية المجتهدِ» لابنِ رشدٍ، و«المغني» لابن قدامةَ، و«المجموع» للنّوويِّ وغيرها، تعجُّ بالاختلافِ في مسائلِ الفقهِ، بعضُها أعظمُ بكثيرٍ من مسألةِ الاختلاطِ، فلا يُعْلَمُ من السّلفِ الصّالِحِ وأئمّةِ الهدى مع اختلافِهم فيها أنْ ورّث ذلك بينهم عداوةً أو شقَّ وحْدتَهم أو فرّق كلمتَهم، بل كانوا معتصمين بحبلِ اللهِ، وقلوبُهم جميعًا مجتمعةٌ عليه لقولِه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]».

فصل

ويعدُّ شيخ الإسلام ابن تيميَّة (رحمه الله) من أشدِّ الناس مراعاة لهذا المقصِد الأصيل، ومن أحرصهم على تقريره وإعماله، ويظهر هذا جليًّا في مواقفه واختياراته، وقد شاهدت وبلغني من عناية شيخنا عبد الغني عوسات (حفظه الله) بهذا المأخذ ما لا أحصيه كثرة.

وهاهنا بعض النُّقول عن شيخ الإسلام تجلِّي هذا المقام، وهي من زبدة وخلاصة فقه السَّلف (رضي الله عنهم) في إعمال هذا المقصِد والعناية به كما هي عادة هذا الإمام في مسائل العلم والعمل التي يقرِّرها.

قال الشَّيخ ابن تيميَّة (رحمه الله): «فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَقْصِدَ الْحَقَّ وَيَتَّبِعَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَنْ اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ لِاجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا إمَامَهُمْ إذَا فَعَلَ مَا يَسُوغُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»...» إلى أن قال: «وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّخِذَ قَوْلَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ شِعَارًا يُوجِبُ اتِّبَاعَهُ، وَينْهي عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ بَلْ كُلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَهُوَ وَاسِعٌ: مِثْلُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ...».

وقال: «وَبِلَادُ الشَّرْقِ مِنْ أَسْبَابِ تَسْلِيطِ اللَّهِ التَّتَرَ عَلَيْهَا كَثْرَةُ التَّفَرُّقِ وَالْفِتَنِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَذَاهِبِ وَغَيْرِهَا» وذكر تعصُّب أهل مذاهب المشرق لمذاهبهم ثمَّ قال: «وَفِي الْمَغْرِبِ تَجِدُ الْمُنْتَسِبَ إلَى مَالِكٍ يَتَعَصَّبُ لِمَذْهَبِهِ عَلَى هَذَا أَوْ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا مِنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ».

ثمَّ قال مؤصِّلا لما تقدَّم: «وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَا تَحْتَمِلُ هَذِهِ الْفُتْيَا لِبَسْطِهِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَالْفَرْعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْخَفِيَّةِ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي الْأَصْلِ بِحِفْظِ الْفَرْعِ».

وقال (رحمه الله) في موضع آخر في معرِض كلامه عن التنفُّل بين أذاني الجمعة: «وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعَ قَوْمٍ يُصَلُّونَهَا فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا إذَا تَرَكَهَا - وَبَيَّنَ لَهُمْ السُّنَّةَ - لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ بَلْ عَرَفُوا السُّنَّةَ فَتَرْكُهَا حَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَاعًا وَرَأَى أَنَّ فِي صَلَاتِهَا تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ أَوْ دَفْعًا لِلْخِصَامِ وَالشَّرِّ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ بَيَانِ الْحَقِّ لَهُمْ وَقَبُولِهِمْ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا أَيْضًا حَسَنٌ».

وأصَّل لهذا بقوله: «فَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يَكُونُ فِعْلُهُ مُسْتَحَبًّا تَارَةً وَتَرْكُهُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَجَّحُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمُسْلِمُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُسْتَحَبَّ إذَا كَانَ فِي فِعْلِهِ فَسَادٌ رَاجِحٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ».

واستشهد لذلك –مبيِّنًا ضمن كلامه أوجه ترك العمل ببعض الفروع لمصلحة أرجح- قائلا: «وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ الْأَئِمَّةُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ أَنْ يَدَعَ الْإِمَامُ مَا هُوَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ إذَا كَانَ فِيهِ تَأْلِيفُ الْمَأْمُومِينَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ، بِأَنْ يُسَلِّمَ فِي الشَّفْعِ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةَ الْوِتْرِ، وَهُوَ يَؤُمُّ قَوْمًا لَا يَرَوْنَ إلَّا وَصْلَ الْوِتْر،ِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْأَفْضَلِ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ الْحَاصِلَةُ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ بِوَصْلِ الْوِتْرِ أَرْجَحَ مِنْ مَصْلَحَةِ فَصْلِهِ مَعَ كَرَاهَتِهِمْ لِلصَّلَاةِ خَلْفَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمُخَافَتَةَ بِالْبَسْمَلَةِ أَفْضَلَ أَوْ الْجَهْرَ بِهَا وَكَانَ الْمَأْمُومُونَ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ فَفَعَلَ الْمَفْضُولَ عِنْدَهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَافَقَةِ وَالتَّأْلِيفِ الَّتِي هِيَ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا، وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ لِأَجْلِ بَيَانِ السُّنَّةِ وَتَعْلِيمِهَا لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا كَانَ حَسَنًا».

ونبَّه الشيخ (رحمه الله) على خبيَّة من خبايا النُّفوس وحظوظها لها أثرها في هذا الباب، والحقُّ أنَّ مثل هذه الخبايا ومكنونات الصُّدور لها أثرها الظَّاهر على كثيرٍ من التصرُّفات التِّي تسبِّب النُّفرة والفرقة التي نحن بصدد تشخيصها وعلاجها، قال الشَّيخ: «فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ إذَا اعْتَقَدَ اسْتِحْبَابَ فِعْلٍ وَرُجْحَانَهُ يُحَافِظُ عَلَيْهِ مَا لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ وَالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا تَجِدُهُ فِيمَنْ يَخْتَارُ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَيَرَاهَا شِعَارًا لِمَذْهَبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إذَا رَأَى تَرْكَ ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلَ يُحَافِظُ أَيْضًا عَلَى هَذَا التَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ مُحَافَظَتِهِ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تَجِدُهُ فِيمَنْ يَرَى التَّرْكَ شِعَارًا لِمَذْهَبِهِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ»

وكما هي طريقة هذا الدِّين الكامل بيَّن الشَّيخ (رحمه الله) أحسن بيان وأتمَّه الطَّريقة المرضيَّة والسبيل المرعيَّة والعلاج الأوفى في هذا الباب، فللَّه درُّه، قال الشَّيخ: «وَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيُوَسِّعَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَلِّفَ مَا أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ، وَيُرَاعِيَ فِي ذَلِكَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، بَعَثَهُ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا يَحْفَظُ بِهِ هَذَا الْإِجْمَالَ، وَإِلَّا فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ هَذَا مُجْمَلًا وَيَدَعُهُ عِنْدَ التَّفْصِيلِ، إمَّا جَهْلًا وَإِمَّا ظُلْمًا وَإِمَّا اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا» انتهى كلامه، فاللَّهمَّ إنَّا نسألك ما سألك إيَّاه عبدك الصَّالح.

وفي موضع آخر ذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة (رحمه الله) قاعدة جليلة في العبادات أعقبها بتفريعات وتقريرات غايةٍ في النَّفاسة، ممَّا نحن بصدد الكلام عنه، قال الشَّيخ بعد الكلام عن بعض الأذكار المتعلِّقة بالعيدين وغير ذلك: «وَقَاعِدَتُنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ الْقَوَاعِدِ أَنَّ جَمِيعَ صِفَاتِ الْعِبَادَاتِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إذَا كَانَتْ مَأْثُورَةً أَثَرًا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ كَمَا قُلْنَا فِي أَنْوَاعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَفِي نَوْعَيْ الْأَذَانِ؛ التَّرْجِيعِ وَتَرْكِهِ، وَنَوْعَيْ الْإِقَامَةِ؛ شَفْعِهَا وَإِفْرَادِهَا، وَكَمَا قُلْنَا فِي أَنْوَاعِ التَّشَهُّدَاتِ، وَأَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحَاتِ، وَأَنْوَاعِ الِاسْتِعَاذَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْقِرَاءَاتِ، وَأَنْوَاعِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ الزَّوَائِدِ، وَأَنْوَاعِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسُجُودِ السَّهْوِ، وَالْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ، وَالتَّحْمِيدِ؛ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبُّ بَعْضُ هَذِهِ الْمَأْثُورَاتِ وَيُفَضَّلُ عَلَى بَعْضٍ إذَا قَامَ دَلِيلٌ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ، وَلَا يُكْرَهُ الْآخَرُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُكَلَّفُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْعِبَادَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِتَشَهُّدَيْنِ مَعًا، وَلَا بِقِرَاءَتَيْنِ مَعًا، وَلَا بِصَلَاتَيْ خَوْفٍ مَعًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مُحَرَّمٌ تَارَةً وَمَكْرُوهٌ أُخْرَى...»

وإلى أن قال الشَّيخ مبيِّنا طريقة السَّلف في هذا ومخالفة الخلف لهم، وأسباب ذلك وآثاره السيِّئة من التفرُّق والاختلاف: «وَالسَّلَفُ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقْرَأُ وَيُصَلِّي وَيَدْعُو وَيَذْكُرُ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، وَأَخَذَ ذَلِكَ الْوَجْهَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُ بُقْعَتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْوُجُوهُ سَوَاءً، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا أَفْضَلَ، فَجَاءَ فِي الْخَلَفِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ اخْتِيَارَهُ لِمَا اخْتَارَهُ لِفَضْلِهِ فَجَاءَ الْآخَرُ فَعَارَضَهُ فِي ذَلِكَ وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ أَهْوَاءٌ مُرْدِيَةٌ مُضِلَّةٌ فَقَدْ يَكُونُ النَّوْعَانِ سَوَاءً عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَتَرَى كُلُّ طَائِفَةٍ طَرِيقَهَا أَفْضَلَ وَتُحِبُّ مَنْ يُوَافِقُهَا عَلَى ذَلِكَ وَتُعْرِضُ عَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْآخَرَ، فَيُفَضِّلُونَ مَا سَوَّى اللَّهُ بَيْنَهُ، وَيُسَوُّونَ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بَيْنَهُ، وَهَذَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي دَخَلَ عَلَى الْأُمَّةِ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَيْنِ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَمَا قَرَّرْت مِثْلَ ذَلِكَ فِي «الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ» حَيْثُ قَالَ: «اقْرَؤُوا كَمَا عَلِمْتُمْ»».

وبيَّن الشَّيخ الواجب في هذا والحكمة منه، فقال: «فَالْوَاجِبُ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لَا يُجْعَلُ نَفْسُ تَعْيِينٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لِضَرُورَةِ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ مُوجِبًا لِرُجْحَانِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إذَا أَوْجَبَ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ، أَوْ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ، كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً وَأُصَلِّيَ جَمَاعَةً، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ قَدْ لَا تَكُونُ أَفْضَلَ بِحَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَظَرٍ فِي الْفَضْلِ، ثُمَّ إذَا فُرِضَ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ يُوجِبُ الرُّجْحَانَ لَمْ يُعَبْ عَلَى مَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ وَلَا يُنْفَرْ عَنْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَلَا يُزَادُ الْفَضْلُ عَلَى مِقْدَارِ مَا فَضَّلَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَقَدْ يَكُونُ الرُّجْحَانُ يَسِيرًا، لَكِنْ هُنَا مَسْأَلَةٌ تَابِعَةٌ؛ وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ التَّسَاوِي أَوْ الْفَضْلِ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلْإِنْسَانِ، الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ؟ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُدَاوِمُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَارًا لَهُ أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَيَرَى أَنَّ مُدَاوَمَتَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوْعِ أَفْضَلُ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُمْ فَمُدَاوَمَتُهُ عَادَةٌ، وَمُرَاعَاةٌ لِعَادَةِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ طَرِيقَتِهِ لَا لِاعْتِقَادِ الْفَضْلِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: التَّنَوُّعُ فِي ذَلِكَ مُتَابَعَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ فِي هَذَا اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِحْيَاءً لِسُنَّتِهِ، وَجَمْعًا بَيْنَ قُلُوبِ الْأُمَّةِ، وَأَخْذًا بِمَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَاصَّةِ - أَفْضَلُ مِنْ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى نَوْعٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

وفي معرِض كلام الشيخ (رحمه الله) عم أحكام التَّعزية، نبَّه على مقصدنا الجليل محلِّ البحث في كلام ينمُّ عن فقه عميق فقال: «وَأَمَّا صَنْعَةُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، فَمُسْتَحَبَّةٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» لَكِنْ إنَّمَا يَطِيبُ إذَا كَانَ بِطِيبِ نَفْسِ الْمُهْدِي، وَكَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُكَافَأَةً عَنْ مَعْرُوفٍ مِثْلِهِ، فَإِنْ عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَإِنْ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِتَنَاوُلِ الْيَسِيرِ مِنْهُ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، مِثْلُ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» [مجموع الفتاوى (24/ 381)].

وعند كلام الشَّيخ (رحمه الله) عن القيام للناس قال حيث بيَّن أنَّه لَمْ تَكُنْ عَادَةُ السَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَنْ يَعْتَادُوا الْقِيَامَ كُلَّمَا يَرَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وذكر بعض أدلَّة الباب ثمَّ ذكر أنَّ الْقِيَامُ لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَلَقِّيًا لَهُ فَحَسَنٌ، وأردفه ممَّا يتعلَّق ببحثنا فقال: «وَإِذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ إكْرَامُ الْجَائِي بِالْقِيَامِ، وَلَوْ تُرِكَ لَاعتقد أَنَّ ذَلِكَ لِتَرْكِ حَقِّهِ أَوْ قَصْدِ خَفْضِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَادَةَ الْمُوَافِقَةَ لِلسُّنَّةِ، فَالْأَصْلَحُ أَنْ يُقَامَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِذَاتِ الْبَيْنِ وَإِزَالَةِ التَّبَاغُضِ وَالشَّحْنَاءِ؛ وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ عَادَةَ الْقَوْمِ الْمُوَافَقَةَ لِلسُّنَّةِ: فَلَيْسَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ إيذَاءٌ لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْقِيَامُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْ يَقُومُوا لَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، لَيْسَ هُوَ أَنْ يَقُومُوا لِمَجِيئِهِ إذَا جَاءَ؛ وَلِهَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُقَالَ قُمْت إلَيْهِ وَقُمْت لَهُ»

إلى أن ذكر الشَّيخ عليه رحمة الله جِماع ذلك، فقال: «وَجِمَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي يصْلحُ اتِّبَاع عَادَاتِ السَّلَفِ وَأَخْلَاقِهِمْ، وَالِاجْتِهَاد عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَمَنْ لَمْ يَعْتقِدْ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ الْعَادَةُ، وَكَانَ فِي تَرْكِ مُعَامَلَتِهِ بِمَا اعْتَادَ مِنْ النَّاسِ مِنْ الِاحْتِرَامِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ: فَإِنَّهُ يَدْفَعُ أَعْظَمَ الفسادين بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا كَمَا يَجِبُ فِعْلُ أَعْظَمِ الصلاحين بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا» [مجموع الفتاوى (1/ 374-376)].


وليس يعني كلُّ هذا –بحال- أن تضيَّع سنن خير البريَّة (صلَّى الله عليه وسلَّم) وتمات ولا تحيا، وأن تميَّع أحكام الشَّرع وتُخضع لأهواء النَّاس ورغباتهم، وليس يعني –كما تقدَّم- أن يحتجَّ بالخلاف ويترك البحث عن الرَّاجح الذي يؤيِّده الدَّليل، بل المقصود والمراد هو العناية والاهتمام بهذا المقصِد العظيم الذي هو التمسُّك بحبل الله جميعا وجمع الكلمة وتأليف القلوب على الحقِّ وبالحقِّ، وأن يراعى ذلك في العلم والعمل والدعوة إلى الله، ويُتحيَّن لإظهار السنن وأحكام الشَّرع وإحيائها الأحوال والأزمان المواتية، مع مراعاة مراتب السُّنن والمستحبَّات وتأكُّدها، فليس ما ثبت ثبوتا قطعيًّا سندا ودلالة كما هو دون ذلك، وليس ما داوم عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأظهره، وما حثَّ عليه ورغَّب فيه صلَّى الله عليه وسلَّم كما ليس كذلك، كلُّ ذلك على وَفق الحكمة والرحمة التي جاءت بها هذه الشَّريعة الحنيفيَّة السَّمحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1- انظر إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل للشَّيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (1/723) من الشَّاملة.

رابط دائم رابط التغريدة 188
5:05 PM - 7/01/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث