الوقت المتوقع للقراءة: 19 دقائق و 26 ثانية

-المقال الثاني-

الرد على الدكتور صالح معتوق في ما نقله من افتراءٍ على #السلفيين (٢)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذا تكميلٌ للرد على الدكتور صالح معتوق في بيان معاني الاستواء وبيان عقيدة السلفيين أهل الحديث في استواء الله عز وجل:

... *رابعاً:* قول الإمام للمصلين خلفه: "استووا" معناه تسوية الصفوف بحيث لا يتقدم أحدٌ عن الآخر ولا يتأخر عنه، فيكون كلُّ مصلٍّ بجانب أخيه مستوياً معه متساوياً متماثلاً له، يوضح ذلك تتمة الحديث فعن أَبِي مَسْعُودٍ، قَال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» "صحيح مسلم" (٤٣٢)، وفي "صحيح البخاري" (٣٧٠٠) أن عمر رضي الله عنه كَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، قَالَ: (اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ) فدل على أن معنى الأمر بالاستواء هنا هو عدم الاختلاف وانتفاء الخلل في الصفوف! وهو المعنى نفسه المقصود بقوله عليه الصلاة والسلام: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» وبقوله: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» متفقٌ عليهما.
فقولك وقول من نَقَلْتَ عنه: (فلا يفهمون منه الجلوس فكيف فهموا الاستواء بحق الله الجلوس) نَقْلبه عليكم فنسألكم: وهل تفهمون أنتم من قول الإمام "استووا" أن معناه "استولوا"؟!! كما تفسِّرونه بحق الله! فيكون المعنى أن المصلين يستولي بعضهم على بعض أم ماذا؟!
أم تريدون أن تقولوا بأن الاستواء بحق الله هو نفس معنى الاستواء المقصود بقول الإمام للمصلين: استووا؟!! فيكون استواء الله بمعنى تسوية الصف والتماثل في الوقوف...؟!!
أيضاً: ماذا عن معنى الاستواء في قوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: ١٣]؟ وفي قولهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: ٤٤]؟ وقوله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: ٢٨]؟ وقوله: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: ١٨]؟
أهو بمعنى الاعتدال والمساواة والتماثل أم بمعنى الاستيلاء أم ماذا؟!
ومثله ما ذكره ابن عمر أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ...)) المخَرَّج في "صحيح مسلم"، فهل قوله "استوى على بعيره" معناه -وفق محاججتكم لنا- التسوية أم الاستيلاء أم ماذا؟!
فإذا بَانَ لكم بذلك وَهاءُ حُجَّتكم وَوَهَنُها ستقولون ولا بد: إن الاستواء يأتي بعدة معانٍ يتعيَّن أحدها بحسب سياق الكلام، فنقول: وهذا ما نقوله نحن! ولكنَّ حقدكم وإرادتكم تشويه الدعوة السلفية بأي وسيلةٍ كانت وبأي كلامٍ كان! وإن كان سوقياً أو غبياً! هو الذي أدى بكم إلى الوقوع في هذه المزالق المضحكة لمن تأمَّلها!

*خامساً:* الاستواءَ فِي اللُّغةِ يُستعمَلُ على وجوهٍ:
الأولُ: أنْ يكونَ مطلقًا غيرَ مقيَّدٍ فيكونُ معناهُ الكمالُ كقولهِ عزَّ وجلَّ: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: ١٤]، وهذا معناهُ: كمُلَ وتمَّ. يقالُ: استوى النباتُ واستوى الطَّعامُ.
الثاني: أنْ يكونَ مقرونًا بـ "الواو" فيكونُ بمعنى التساوي كقولهم: استوى الماءُ والخشبةُ، واستوى الليلُ والنَّهارُ.
وعلى هذا المعنى يُحمَل أمر المصلين في صلاة الجماعة بالاستواء أي بأن يستوي كلٌّ منهم والآخر فيكونوا على مستوىً واحدٍ.
الثالثُ: أنْ يكونَ مقرونًا بـ "إلى" فيكون المعنى قصدَ إليهِ علوًّا وارتفاعًا كقولهِ سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩].
قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: «ارْتَفَعَ».
علَّقه البخاري في كتاب التوحيد من "صحيحه" قبل حديث رقم (٧٤١٨).
الرابعُ: أنْ يكونَ مقرونًا بـ "على" فيكونُ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ كقولهِ سبحانه وتعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: ١٣]، وقولهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: ٤٤] وقولهِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: ٢٩].
واستواء الله عز وجل على عرشه قد ذكره سبحانه في سبعة مواضع من كتابه فقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في كلٍّ من سورة الأعراف (٥٤)، ويونس (٣) والرعد (٢) والفرقان (٥٩) والسجدة (٤) والحديد (٤) وقال في سورة طه (٥): {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؛
أما عن تفسير السلفيين له فهو ما فسَّره به السلف الصالح -ومنهم الأئمة الأربعة- رحمهمه الله، وهو العلو والارتفاع فوق العرش، وأدلة علوه سبحانه فوق خلقه تزيد على الألفي دليلٍ!
قال ابن القيم رحمه الله في "نونيته" (ص ٩٧):

يا قومَنا واللهِ إنَّ لِقولِنا ألفاً تدلُّ عليه بل ألفان

ولكن كما قال الذهبي رحمه لله: (وَالْيَوْم فيرُدُّون الْأَحَادِيث الصَّرِيحَة فِي الْعُلُوِّ بل يحاول بعض الطِّغام أَن يردَّ قَوْله تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى}) "العلو للعلي الغفار" (ص ١٧١)

وسأكتفي بنقل بعض الأقوال في تفسير الاستواء بالعلو عن الأئمة الأعلام، وهم:
- مجاهدٌ (ت ١٠٤هـ) رحمه الله الذي فسَّره بقوله: *(عَلَا على العرشِ)*.
علَّقه البخاري في كتاب التوحيد من "صحيحه" قبل حديث (٧٤١٨).
وحسبك بهذا التفسير عن هذا الإمام في تفسير كلام الله سبحانه، وهو تلميذ ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما، وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: (إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به!).
- والإمام أبو حنيفة (ت ١٥٠هـ) رحمه الله قال: *(من قَالَ: لَا أعرف رَبِّي فِي السَّمَاء أَوْ فِي الأَرْض فقد كفر* وَكَذَا من قَالَ: إِنَّه على الْعَرْش وَلَا ادري الْعَرْش أَفِي السَّمَاء اَوْ فِي الأَرْض)
"الفقه الأكبر" (ص ١٣٥)
- والإمام مالكٌ (ت ١٧٩هـ) فقد سئل رحمه الله: يا أبا عبدِ الله! {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، كيفَ استوى؟ قالَ: (الكيفُ غيرُ معقولٍ، *الاستواءُ منهُ غيرُ مجهولٍ*، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ، وإنِّي أخافُ أنْ تكونَ ضَالًّا، وأمرَ بهِ فأُخرج) "العلو" للذهبي (ص ٩٥٤).
قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: (هذا ثابتٌ عنْ مالكٍ، وهوَ قولُ أهلِ السنَّةِ قاطبةً: أنَّ كيفيَّةَ الاستواءِ لا نَعْقِلُهَا، بلْ نَجْهَلُهَا، وأنَّ استواءَهُ معلومٌ كمَا أخبرَ في كتابهِ، وأنَّهُ كمَا يليقُ بهِ، لا نتعمَّقُ ولا نَتَحَذْلَقُ، ولا نخوضُ في لوازمِ ذلكَ نفيًا ولا إثباتًا، بلْ نسكتُ ونقفُ كما وقفَ السَّلفُ، ونعلمُ أنَّهُ لو كانَ لهُ تأويلٌ لبادرَ إلى بيانهِ الصَّحابةُ، والتَّابعونُ، ولما وسعهم إقرارهُ وإمرارهُ والسُّكوتُ عنهُ، ونعلمُ يقينًا مَعَ ذلكَ أنَّ اللهَ جلّ جلاله لا مِثْلَ لهُ في صفاتهِ، ولا في استوائهِ، ولا في نزولهِ، سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ علوًّا كبيرًا).
- والإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) رحمه الله قال: (القول في السُّنة التي أنا عليها ورأيتُ أصحابنا عليها، أصحاب الحديث الذين رأيتُهم فأخذتُ عنهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله. وذكر شيئاً ثم قال: *وأنَّ الله على عرشه في سمائه* يقرب من خلفه كيف شاء وأنَّ الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء)
"إثبات صفة العلو" لابن قدامة (ص ١٢٤)
- والإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) رحمه الله قال: *(وهو على العرش بلا حدٍّ وقال: ثم استوى على العرش كيف شاء،* المشيئة إليه والاستطاعة، ليس كمثله شيء كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير)
"الإبانة" لابن بطة (٣٢٧/٣)
- والإمام الأوزاعي (ت ١٧٥هـ) رحمه الله قال: *(كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذِكْرُهُ فوق عرشه)*
"الأسماء والصفات" للبيهقي (٨٦٥)
- وسفيانُ الثوريُّ (ت ١٦١هـ) رحمه الله قال: كنتُ عندَ ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن (ت ١٣٦ هـ) -وهو شيخ الإمام مالك رحمه الله- فسألهُ رجلٌ فقالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، كيفَ استوى؟ فقالَ: *(الاستواءُ غيرُ مجهولٍ،* الكيفُ غيرُ معقولٍ، ومِنَ الله الرسالةُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التَّصديقُ)
"العلو" للذهبي (ص ٩١١).
- وابن المبارك (ت ١٨١هـ) رحمه الله لما سئل: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا عز وجل؟ قال: *(عَلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ،* وَلَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ إِنَّهُ هَاهُنَا فِي الْأَرْضِ)
"السُّنة" لعبد الله بن الإمام أحمد (١١١/١)
- وعلي بن المديني رحمه الله (ت ٢٣٤هـ) لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: (يؤمنون بالرؤية وبالكلام، *وأن الله عز وجل فوق السموات على عرشه استوى)*
"العلو" للذهبي (ص ١٨٩)
- وشيخ المفسرين الطبريُّ (ت ٣١٠هـ) رحمه الله قال: (وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه:"ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن": *علا عليهن وارتفع*)
"تفسير الطبري" (٤٣٠/١)
وقال: (وأما قوله: {ثم استوى على العرش} فإنه يعني: *علا عليه*)
"تفسير الطبري" (٣٢٥/١٦)
- وإمامُ الأئمَّةِ ابن خزيمة رحمه الله (٣١١هـ) حيث قال: (فنحنُ نؤمنُ بخبرِ الله جلَّ وعلا أنَّ خالقَنا مستوٍ على عرشهِ، لا نبدِّلُ كلامَ الله *ولا نقولُ قولًاً غيرَ الذي قيلَ لنا، كمَا قالتِ المعطِّلةُ والجهميَّةُ: إنَّهُ استولى على عرشهِ لا استوى!* فبدَّلوا قولًاً غيرَ الذي قيلَ لهم! كفعلِ اليهودِ لمَّا أمِرُوا أنْ يقولوا: حِطَّةٌ، فقالوا: حِنْطَةٌ، مخالفينَ لأمرِ الله جلَّ وعلا، كذلكَ الجهميَّة)
"كتاب التوحيد" (ص ١٠١).

وغيرهم كثيرون جداً...
انظر -إن شئتَ المزيد- بعضهم في كتابَي الحافظ الذهبي رحمه الله: "العرش" و"العلو للعلي الغفار".

وأما شيخ الوهابية والتي تعود نسبة هذه التسمية إليه، وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد عبَّر عن استواء الله على عرشه بالفوقية، وليس بالجلوس عليه كما يُلَبِّسُ البعض على الناس! فقد قال رحمه الله في آخر باب من أبواب "كتاب التوحيد" في *المسألة السادسة عشرة: "أنَّ الله فوق العرش*).

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فلم يُعبِّر عن استواء الله على عرشه بالجلوس ألبتة! وإنما كان يعبِّر بالفوقية. من ذلك قوله رحمه الله: ( *وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه،* ليس فى مخلوقاته شيءٌ من ذاته ولا فى ذاته شيءٌ من مخلوقاته، وهو سبحانه غنيٌّ عن العرش وعن سائر المخلوقات، لا يفتقر إلى شيءٍ من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرشَ وحَمَلةَ العرش)
"مجموع الفتاوى" (٢٤٥/١٤).

*سادساً:* أما عن تفسير الاستواء بالجلوس، ونسبة ذلك إلى عموم السلفيين -الذين نبزتُموهم بلقب "الوهابية"-، فالجواب عليه هو أن من رأى صحة ما نُقِلَ في ذلك من الآثار أثبتَ لفظ الجلوس، ومن لم يرَ صحتها -وهم الأكثر- لم يُثبتها، وهذا ما عليه جماهير السلفيين! وقد سبق نقل شيءٍ من كلامهم في بيان معنى الاستواء بأنه العلو والارتفاع وليس الجلوس أو القعود!

ولمزيد من التوضيح:
• فهذا مثالٌ على الاختلاف الحاصل في الحكم على حديثٍ فيه لفظ القعود لله على عرشه وهو ما رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٨١) عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لِقَضَاءِ عِبَادِهِ: إِنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي، وحُكْمِي فِيكُمْ، إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ، عَلَى مَا كَانَ فِيكُمْ، وَلَا أُبَالِي"؛ فقد حكم بصحة إسناده:
- السيوطي رحمه الله في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٢٠١-٢٠٢) حيث قال: (طريق لا بأس به...رجاله موثقون).
- وابن كثير رحمه الله في "تفسيره" (٢٧٢/٥) حيث قال: (وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني) ثم ذكره وقال بعده: (إسناده جيد).
وقال الهيثمي رحمه الله في "مجمع الزوائد" (١٢٦/١): (ورجاله موثَّقون).
وقال المنذري رحمه الله في "الترغيب والترهيب" (٥٧/١): (ورواته ثقات).

فهل يجرؤ أحدٌ منكم على القول بأن هؤلاء "وهابية"؟! أو أن تُضَلِّلوهم بقولكم "نعوذ بالله من الضلال"؟!!

وأما الألباني رحمه الله الذي تصفونه بشيخ الوهابية في هذا الزمان فقد حكم على الحديث بأنه موضوع!! فقد ذكره في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" (٢٥٨/٢) حديث رقم (٨٦٧) وقال: (...والخلاصة أن الحديث موضوع بهذا السياق، *وفيه لفظة منكرةٌ جداً وهي قعود الله تبارك وتعالى على الكرسي*، ولا أعرف هذه اللفظة في حديثٍ صحيحٍ، وخاصة أحاديث النزول وهي كثيرةٌ جداً بل وهي متواترةٌ كما قطع بذلك الحافظ الذهبي في "العلو").
وقال: *(وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديثٌ يَصِحُّ)*
"السلسلة الضعيفة" (٢٥٦/٢)

• ومثله ما ورد في لفظ "الجلوس" فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد في "السُّنة" (٥٨٧) حيث قال: حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، بِحَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْكُرْسِيِّ» فَاقْشَعَرَّ رَجُلٌ سَمَّاهُ أَبِي عِنْدَ وَكِيعٍ فَغَضِبَ وَكِيعٌ وَقَالَ: أَدْرَكْنَا الْأَعْمَشَ وَسُفْيَانَ يُحَدِّثُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا يُنْكِرُونَهَا!
وذكره الذهبي رحمه الله في كتاب "العرش" (١٥٥/٢) وقال: (وهذا الحديث صحيحٌ عند جماعةٍ من المحدِّثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان فلا أدري أخرجه أم لا؟ فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدث عن رجل لم يُعرف بجرحٍ، فإن ذلك إسنادٌ صحيحٌ. فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم، الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى، قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره ونتحذلق عليهم؟! بل نؤمن به ونَكِلُ علمه إلى الله عز وجل. قال الإمام أحمد: "لا نزيل عن ربنا صفةً من صفاته لشناعةٍ شُنِّعت وإنْ نَبَتْ عن الأسماع!". فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلوَّنَ لهذا الحديث!).

فهل الإمام أحمد وابنه عبد الله ووكيع والأعمش وسفيان الثوري والذهبي رحمهم الله هؤلاء كلهم وهابية أيضاً يا دكتور؟!!

أما ابن خزيمة رحمه الله -مثلاً- فقد قال في كتاب "التوحيد" (٢٤٤/١): (وقد رواه وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة مرسلاً، ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات).
وكذلك حكم الألباني رحمه الله بالضعف كما في "مختصر العلو" للذهبي (ص ١٦٩).

فهذا مثالٌ واضحٌ على الاختلاف الموجود عند كبار الأئمة في إثبات صفة "الجلوس" الناتج عن الاختلاف في القول بثبوت أثر عمر من عدمه!

*سابعاً:* إثبات السلفيين لصفة العلو الذاتي لله سبحانه لا يلزم منه تشبيهه بشيءٍ من خلقه، كما يتوهم ذلك الأشاعرة وغيرهم! فكما أنَّ ذات الله ليست كذوات الخَلق فكذلك صفات الله ليست كصفات خلقه! *فـ"الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات"* و *"الفرق بين الصفة والصفة كما بين الذات والذات"!*
فكما أن الأشاعرة يثبتون لله تعالى صفتي السمع والبصر -مثلاً- على الوجه اللائق بجلاله، مع أن الله سبحانه قد وصف الإنسان بهاتين الصفتين أيضاً فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: ٢] فسمَّاه سميعاً بصيراً كما سمَّى نفسه السميع البصير! ويقولون -مثل ما يقول السلفيون- بأنه اشتراكٌ في اللفظ فقط من غير اشتراكٍ في الحقيقة والكيفية، فسمْعُ وبصر الله يليقان بجلاله، وسمع وبصر الإنسان يليقان به! فكذلك يلزمهم أن يطردوا هذه القاعدة في كل صفات الله تعالى -من غير تَحَكُّمٍ!- فيقال: الإنسان يستوي على الشيء والله يستوي على العرش ولا يلزم من ذلك التشابه ولا المماثلة في الاستواء! وقد قال الله تعالى في استواء بعض خلقه: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه}، وقال: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ}، وقال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ} وليس هذا الاستواء كاستوائه على عرشه سبحانه وتعالى! ومن القواعد عند السلفيين -في هذا الباب-: *"أن الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر"!* فلماذا لا تثبتون استواء الله وبقية صفاته، كالنزول إلى السماء الدنيا والضحك -على سبيل المثال-، كما تثبتون صفتي السمع والبصر، من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ؟!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ اسْتِوَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقِ دُونَ الْخَالِق، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْدٍ} وقَوْله تَعَالَى {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} وقَوْله تَعَالَى {صُنْعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}. وقَوْله تَعَالَى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ}. {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ} فَهَلْ يَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يُثْبِتَ لِرَبِّهِ خَاصِّيَّةَ الْآدَمِيِّ الْبَانِي الصَّانِعِ الْعَامِلِ الْكَاتِبِ، أَمْ يَسْتَحِلُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ حَقِيقَةَ الْعَمَلِ وَالْبِنَاءِ كَمَا يَخْتَصُّ بِهِ وَيَلِيقُ بِجَلَالِهِ، أَمْ يَسْتَحِلُّ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَصْرُوفَةٌ عَنْ ظَاهِرِهَا، أَمْ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقُولَ عَمَلُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ فَكَمَا أَنَّ ذَاتَه لَيْسَتْ مِثْلَ ذَوَاتِ خَلْقِهِ فَعَمَلُهُ وَصُنْعُهُ وَبِنَاؤُهُ لَيْسَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ وَصُنْعِهِمْ وَبِنَائِهِمْ)
"إقامة الدليل على إبطال التحليل" (٨٤/٤)

فلماذا أثبَتُّم صفاتٍ سبعةً فقط لله تعالى -هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام- وعطَّلتم وحرَّفتم بقية صفاته؟! أليس هذا تَحَكُّماً منكم يا دكتور صالح؟! وقد سمَّيتم هذه الصفات بصفات المعاني وشهدتم على أنفسكم بتسميتكم لها بالعقلية لأنكم لم تثبتوها لمجيئها في القرآن والسُّنة بل بزعمكم أن العقل يوجب وجود هذه الصفات عند الإله! فجعلتم العقل مقدَّماً على الوحي! فهل يوجد أظهر من تَحَكُّمكم هذا؟!

*ثامناً:* اعلم يا دكتور صالح أن من عقيدتنا -نحن السلفيين- أنَّ صفات الله تعالى توقيفية لا نثبت شيئاً منها إلا بدليل صحيحٍ! فلو صحَّ لفظ الجلوس عندنا لقلنا به، ولا غضاضة في ذلك ألبتة! فالأمر أهون مما تتخيله لأننا عندها سنثبتها على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ! جرياً على قاعدتنا المطردة في جميع صفاته جل في علاه، لا جرياً على قاعدتكم في التحكم العقلي! فإنَّ مَن يثبتها يقول: جلوسٌ أو قعودٌ لا كجلوس وقعود أحدٍ من خلقه! كما نقول ذلك بالنسبة لنزوله سبحانه في الثلث الأخير من كل ليلة! وكما نقوله بالنسبة لمجيئه سبحانه يوم القيامة للفصل بين الخلائق، وكذا بالنسبة لضحكه وغضبه وفرحه ومحبته وكُرهه، تماماً مثل ما نقول بالنسبة لحياته! وعلمه! وقدرته! وإرادته! وسمعه! وبصره! وكلامه!

اللهمَّ إنا نعوذ بك من تقديم عقولنا على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك اللهم من أن نَضِلَّ أو نُضَلُّ، أو نَزِلَّ أو نُزَلُّ، أو نَظْلِمَ أو نُظْلَم، أو نَجْهَلَ أو يُجْهلُّ علينا.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

كتبه
محمود جمعة
صيدا، لبنان
٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ
الموافق ١٢ كانون الأول ٢٠١٧

رابط دائم رابط التغريدة 62
8:08 PM - 12/01/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث