الوقت المتوقع للقراءة: 03 دقائق و 54 ثانية

#صناعة_الفتن

[[صناعة الفتن]]
في الرد على جمعية مراقبة إدارة المملكة للحرمين الشريفين
ينتابني هلع وأشعر بغثيان ويلفني ضباب واتشح السواد وأنا أرى وأسمع وأراقب ذلك السقوط والهوي والتردي الذي تحول إلى صناعة بغيضة من حبك الفتن والقلاقل كاد أن يتخصص في غزلها ونسجها وحياكتها محسوبون على العروبة والإسلام، ما بين فتن طائفية وأخرى قومية وثالثة عنصرية ورابعة وخامسة .. هبابية، وكلما مرّ علينا نفر من هؤلاء ازددتُ يقينا في فساد الضمير العربي والإسلامي وتدهوره وتخلفه عن ركب الحضارة الإنسانية فضلاً عن القيم الإسلامية.

وقديما قرر علماء الاجتماع أن مظاهر التحضر قائمة في المجمتعات بدلالة وجود العمران والصناعات، وأن ذلك مرهون بحالة الاستقرار النفسي للمجتمع، كما هو متوقف على الحالة النفسية للأفراد، فالأفراد أدوات الاستقواء والبناء لأي مجتمع ثابت الأركان واثق الخطوة منضبط الحراك، لكن حين يصاب الأفراد في مقتل ضميرهم يكون ذلك إيذانا بوقوع القارعة والواقعة والحاقة وكل مواصفات يوم القيامة التي تسجر بحار الاستقرار وتحيل هدأة المجمتعات زلزالا مضطرباً وبركاناً هائجاً.

ومن نكد الحياة أن يخرج على الناس نفر من الرويبضة الذين حذّر النبي صَلّ الله عليه وسلم من توسدهم صناعة الفتنة وضرب العامة والخاصة وهم يملكون من أدوات إثارة النقع وتغبير الجو حتى يعمُّوا على البسطاء بداهات الأمور ويفتنوا الناس في مسلمات انتمائهم، فإذا هم يتكلمون في أمر العامة من غير معرفة وربما كثير منهم لم يُحْسن بعـدُ إسباغ الوضوء، ولا يدرك الفرق بين أحكام الاستنجاء والاستجمام والاستجمار، فالكل استهبال واستحمار.

وهكذا في ليلة ليلاء وفي غفلة من عقلٍ وضميرٍ فوجئنا أن خرجتْ علينا فرقة تعلن عن نفسها لتأسيس هيئة خاصة في 9 يناير/كانون الثاني 2018، وتعرّف نفسها بأنها مؤسسة لمراقبة إدارة السعودية للحرمين الشريفين، إلى جانب البقاع المقدسة بما فيها المواقع التاريخية والإسلامية، وفي الحقيقة ما تريد إلا ضرب الدين بالنيل من حماته، وتفتيت وحدة الإسلام بالتشكيك في قياداته، وقد تسمت هذه الجمعية: جمعية "الحرمين ووتش" وعرفت نفسها أنها هيئة لمراقبة إدارة السعودية للمقدسات".
ولسنا ندري لمن تنتسب ولا في أي أرض نبتت، تزعم أنها تمثل المسلمين وتتحدث باسمهم وتنصّب نفسها المتحدث الرسمي باسم الدين وأهله، وتمنح لنفسها حقاً إلهياً بمراقبة الحرمين، وتزعم جور رعاة المملكة على مشاعر الحج والحجاج وتجاوزهم في التعامل مع الحجيج والمعتمرين، وما نبتها إلا من كيد شيطان مريد وسقي عقل مأفون.

لا أشك أننا أمام مصنع فساد متخصص لإنتاج الفتن وزعزعة الأمن في أرض المسلمين، وأن ذلك يعمل بيد لم تمس الأرض وهي ساجدة لله.

حين أرى نتاج هذه الفتن الممقوتة يمتد بأرواقه ليشمل المقدس الذي قام عليه وجودنا، واستقر في رباطه خيلنا، تزداد حالتي سوءً وأنا أرى ذلك الغي والعي، وتلك البلادة والتناحة، وهذا التغابي والتعامي، وهذه التنبلة وذاك القعود، حينها أتيقن أن الأمة كلها في خطر داهم ومأزق بهيم.

والحق أن شهادتي في المملكة والقائمين عليها مجروحة، ولكن ضميري وإيماني يفرضان علي واجب البيان وحق البلاغ كواحد من المسلمين الذين أكرمهم الله بزيارة بيته الحرام والاطلاع على ما أولت المملكة قيادة وشعبا هذه البقاع من اهتمام وعناية، ومازلتُ أذكر تلك الأيام منذ عقود ليست بالبعيدة حين قامت المملكة ولعدة سنوات بعمل استبيان أشركت فيها الحجيج والمعتمرين والزوّار لتشركهم في قرارات تطوير خدمات المشاعر واقتراح الوسائل والأدوات التي تعين على تَهيئة أسباب الراحة وأداء المشاعر في سهولة ويسر، ورأيتُ بنفسي كم عان المشاركون في هذا الاستبيان الذي شارك فيه جموعٌ من المتخصصين للوصول بحالة الحرم وخدمات المشاعر إلى ما نراه اليوم من أداءٍ راقٍ لا يقلّ عن أفضل الدول تقدماً وتحضُّراً.
كان من اليسير على المملكة أن تقرر ما شاءت وهي التي تنفق على خطط تطوير وتحسين أداء الخدمات دون مقابل مادي ولا مساعدة من أي أحد، لكن حكمة قيادتها تدرك أن الحرمين حق الأمة الإسلامية وهم أمناء ومستخلفون في بيت الله لخدمة عباده، ومن أجل ذلك أبوا إلا أن يحققوا وصفهم في اسمهم فكان ملوكهم - خادم الحرمين الشريفين - وقد قاموا بما وسعهم الجهد وبلغ بهم السعي ليشركوا عامة المسلمين وخاصتهم في قرار تطوير خدمة حجاج وزوار بيت الله الحرام وانفردوا دونهم بالنفقة والعمل.
ولقد قلتُ قبلاً؛ واليوم أكرر لو أننا جمعنا جهد السابقين من حكام المسلمين في الاعتناء بالحرمين وخدمة أهله ما بلغوا معشار ما بذله آل سعود، وتلك شواهد عمرانهم وبنيانهم قائمة.

وإن تعجب فعجب قول هذه الجمعية أن تجعل - من غير بينة ولا تثبت - شواهد التطور وتحسين الخدمات أدلة سقوط وتدني وانحطاط، وأن تجعل التنظيم وحفظ الأمن دليل الديكتاتورية والتسلط والانفراد بالقرار، وأن تُلبس الحق ما شاءت من لباس الباطل لتطعنَ في نزاهة المملكة التي أفرغت جهدها وأمضت أعمار شيوخها وشبابها في خدمة الدين والدعوة ورسالة الإسلام، فكما جددت المملكةُ للدين أمره وأجلت عنه صدأ خمول أهله، أقامت لمعالمه ومشاعره أهم حضارة عمرانية لتفرّغ الحجاج لأداء العبادة دون أدنى إنشغال بهموم الخدمات التي وفرتها وملأت بأدواتها ووسائلها أرجاء مكة والمدينة.
فما لكم كيف تحكمون !!!

د. محمد كمال - أسبانيا
رئيس المجلس العلمي للعلماء والباحثين الإسلاميين في أسبانيا

رابط دائم رابط التغريدة 157
12:20 PM - 11/01/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث