الوقت المتوقع للقراءة: 05 دقائق و 08 ثانية

(( الطبيب الماركة))

(( الطبيب الماركة))

في العيادة عصرا ...حيث نال مني التعب والتثاؤب عند آخر مريض ...

كانت فتاة في العقد الثالث من العمر ترتدي عبائتها وتترقب بعينيها الحائرة وسط النقاب نتائج الفحوصات الخاصة بالكلى

إلتفت إلى المريضة وأنا أحدثها بجدية وشيء من التعاطف :

- كما توقعت لقد نالت الذئبة من الكلى ...وعلينا أخذ عينة ومشاركة طبيب مختص في علاج الكلي في خطة علاجك ...لا تقلقي سوف أقوم بتحويلك إلى إستشاري الكلى عندنا الدكتور (( فلان )) ...

وما أن نطقت بإسمه حتي صاح مرافقها في بهجة عارمة وهو يرجع ب كرسيه الى الخلف ..ويقلب المسبحة التي بين يديه في نشوة وهو يقول :

يووه ..د.(( فلان)) عندكم والله إنه كفو أبد مافي مشكله حولينا يا دكتورة .

وتملكتني الدهشة من حماسه العجيب لهذا الطبيب وكأنني أحدثه عن بطل إسطوري منقذ من قصص ألف ليلة ولية .

كان شقيق مريضتي شابا عشرينيا نحيلا بدا لي أنه من منطقة شمال المملكة ، كان يعصب رأسه ب (شماغ) بني حائل اللون يضاهي لون سترته التي كان يرتديها فوق ثوبه العربي الداكن ...ويضع رجلا على رجل وساقيه النحيلتين تسبحان وسط صندل كبير يبدو لي أنه اخطأ في إختيار مقاسه...
ومنذ بداية المقابلة مع شقيقته كان يلتزم الصمت ولا أسمع له صوتا سوى صوت مسبحته التي لا تكف عن الدوران كالبندول يمنة ويسرة في يده ....ولم أنتبه له حتى فاجئني حماسه

قلت له :
- هل تعرف دكتور ( فلان ... )

فرد علي بحماس أكبر :

-دكتور ( فلان) أحسن دكتور ...أبد .. لكزس 2016 .

ورفعت حاجبي دهشة من غريب تعليقه وقلت في نفسي ( لكزس !!!! و ١٦ !!!) ..
لكنه لم يمهلني حتى استغرق في دهشتي .. وقال لي :

- حولينا يا دكتورة
والتفت إلى أخته يحدثها :
ما دام دكتور فلان إن شاء الله راح ( يسنعنا)

لقد سرق هذا النحيل دوري في طمأنة المريضة ..وشرح الخطة العلاجية لها يكفي أن انطق بأسم فلان حتى يزول قلقها !! وشعرت ببعض الغيرة- ولا أخفي ذلك- من ثقته المطلقة في دكتور ( فلان ) ال لكزس ..ال ماركة ...

قمت بتحويلهم ..وخرجا من عندي ....وذلك النحيل يعرج في صندله الواسع تاركا لي من خلفه أسئلة لم يسعفني الوقت كي أحصل على إجابتها .... ما هو سبب معرفة هذا الشاب ب دكتور ( فلان) ...والسؤال الأهم لماذا هو لكزس ...و لماذا موديل 2016 ???

وابتسمت بيني وبين نفسي وأنا اتخيل دكتور ( فلان ) ...هذا الطبيب ال( لكزس) ...

هذه السيارة حتما تشبهه ..

و دكتور (فلان ) هذا هو طبيب شاب في منتصف العمر ...حاد الذكاء دائم البحث عن الجديد في مجاله ولا يهدأ من ملاحقة المؤتمرات العلمية و إكتساب كل ما هو جديد ومبتكر ....فعلا هو مثل هذه السيارة اليابانية التي هي ليست بالقديمة جدا ولا الحديثة جدا.. سيارة صنعت تاريخها بنفسها حينما قررت الظهور لأول مرة . ..و عندما ظهرت في بداية التسعينيات .. قلبت الموازين في مفهوم التكنولوجيا في ذلك الوقت رأسا على عقب .. وما زالت كما هو حال الياباني صانعها في تجدد مستمر حتى اليوم ....

إتكأت على الكرسي بعد الإنتهاء من العيادة وأخذت أفكر في جملة ذلك النحيل ...ماذا لو كان بقية المراجعين يرونا كما يرانا ذلك الشاب .....سيارات.... لكل منا ماركة وفئة معينة ...وياله من تشبيه ...وأطلقت العنان لمخيلتي ...

قد يكون بيننا ذلك الطبيب ( الفورد) ... الذي ما أن تراه حتى تشعر بالعراقة والفخامة في ذات الوقت ..يتحرك بمحرك اسطوري ..كما هو ذلك المحرك الأمريكي الذي يسكن قلب ال( فورد) ويدوم ألى ما يشبه الأبد .. ... طبيب أخذ وقتا طويلا في تأسيس إسمه والمحافظة عليه ... ذو علم قديم راسخ ..ونظرة ثاقبة قادر على البقاء جيل بعد جيل كما هو ..كلما فركه الزمن ..كلما زادت هيبته وخبرته ...

وهنالك الطبيب ( الحافلة المرسيدس) ..ذلك الطبيب الذي قلما تراه يسير بمفرده إذ لا بد أن ترى من حوله صغار الأطباء وهم يتبعونه بشغف دائم ..كطفل يلتزم ثوب أمه ...وهو يحملهم معه كما تحمل الحافلة المرسيدس ركابها.....هو لا يريد أن يسير في حيز ضيق ...ف علمه قد لا يسع قلبه وعقله فقط ....وهو لا يكل عن نقل علمه وخبرته إليهم ..ويتسع قلبه لهم بقدر عدد المقاعد الكثيرة فيه .

وهنالك الطبيب ذو الدفع الرباعي ( السنتافي) ....
ذلك الطبيب المتهيئ لكل الظروف لا توقفه وعورة الطريق ولا كثرة مطباته ..يثق في محركه ولا شيء آخر ....تجده في حال استعداد فطري لتقديم المعونة لكل مريض ..سريع التأقلم ....ولا يقلقه تغير الفصول ولا الإدارات ولا المشافي ثابت على أرضه مندفع بجميع حواسه كما تندفع السيارة رباعية الدفع نحو الهدف .

وذلك الطبيب الفاخر ال( لامبورغيني ) ذلك الذي تجده أنيقا على الدوام مثل تلك السيارة الإيطالية الفاخرة ...قليل الكلام ...قليل الظهور ..ولكن إن ظهر أسكت ....رسم لنفسه قالبا وسعرا منذ البداية وهو غير متوفر لكل المرضى ..ف مرضاه يشبهونه ( لامبورغيني) مثله محدودي العدد ..أنيقي الملبس قليلي الكلام والظهور مثله .

وطبيب آخر هو مثل ( الكورلا) لا يتطور وإن تطور الزمن ...أبى أن تمر عليه التكونولوجيا والحداثة ..يعجبه لقب الطبيب فحسب ..كما يعجب ال ( كورلا) لقب السيارة فقط ...
هو خارج المنافسة ...يزحف ببطء ...ولا يكترث ل صيانة عقله الذي هو محركه ...تجده لا يكترث بالتطوير ..ولا يكترث ب عدد ( السلندرات ) في ملف خبرته....هو طبيب وذلك اللقب يكفي ...

وذلك الطبيب ال ( لادا) ..المتقوقع على نفسه ..صلب محيطه مثل هيكل تلك السيارة الروسية القاسية ....يغرق في القسوة على المرضى وعلى من حوله ..ولا يعطي ل غيره لذة انتقاده ...يرخص سعرة بيده .. لا يبهرك في شيء...ولا شيء يميزة ..

وهنالك الطبيب المرح مثل ال ( رينو كابتشر) ..هذا الذي يدخل البهجة حيثما حل سلس في تنقلاته وعباراته ...وكما تعتمد هذه السيارة الأوربية الألوان الزاهية ...يعتمد ذلك الطبيب حس الفكاهة ولون المرح ...تجده لا يكترث للمنافسة لأن لديه ختم خاص يميزه ..فلا يهمه الفورد ولا السنتافي ..ولا حتى اللامبورغيني ...المهم أن يبتسم وبيتسم مريضه ...

كانت تلك الجملة العفوية من ذلك المراجع ليست ذات وقع عفوي على نفسي ومخيلتي على الإطلاق ....وتسألت ..هل يصنفنا مرضانا كما فعل هذا الشاب ... هل ل كل منا سعر... ومواصفات ...تجذب المرضى إلينا أو تنفرهم ؟؟

وهل يقارنون بيننا وبين فئات السيارات المختلفة في السوق كما فعل هذا الشاب .؟؟

هل نحن ( ماركة ) ؟ ....

وتسألت بيني وبين نفسي وأنا أخشى أن أجد من أحدهم إجابة ...يا ترى أي سيارة وماركة سوف أكون في نظر مرضاي ....؟؟؟ ...أتمنى ألا أكون ( كورلا ) ...لا أريد أن اصبح ( كورلا) .....أكرر ...أنا لست ( كورلا) ..

***************** انتهت*************،************

ندى مأمون ...24/1/2018 .

في غرفة العيادة ...حيث أدهشني ذلك المراجع .

رابط دائم رابط التغريدة 40
12:41 PM - 25/01/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث