الوقت المتوقع للقراءة: 08 دقائق و 10 ثانية

قال الإمام سفيان الثَّوري -رحمه الله-: (نظرنا إلى أصل كل عداوة في العالم فوجدناها اصطناع المعروف إلى اللئام) وذكروا أنَّ للحافظ أبي موسى المديني -رحمه الله- كتابا سمَّاه: (تضييع العمر والأيَّام في اصطناع المعروف إلى اللِّئام)

بين اللُّؤم والكرم

الحمد لله ذي الفضل والإنعام، وصلى الله وسلَّم على صاحب الأخلاق العظام، وعلى آله وصحبه الكرام؛ أمَّا بعد:

فإنَّه من كريم الخلال، وجميل الفعال، مقابلة الإحسان بالشكر والعرفان ﴿فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ فهذه من شيم الكرام، وإنَّه من سيِّء الخصال، مقابلة الإنعام بالكفران، والمعروف بالنكران، فهذا من أخلاق اللئام.

وإنَّه آكد ما يتأكد هذا الخلق العظيم والأدب الأصيل –مقابلة الإحسان بمثله- مع ربِّنا عزَّ وجل، إذ تفضَّل على عباده بإسباغ النِّعم الظاهرة والباطنة، وتكرَّم عليهم بصنوف من الكرم كثيرة متظافرة ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾، فمن حقِّ ربِّنا سبحانه أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُشْكُرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، مع ذلك فإن من الناس ظلوم كفَّار يقابل إحسانه عزَّ وجل بالإساءة والمعصية، ويشرك به سبحانه ما لم ينزل به سلطانا، وإن منهم من يستعين بنعم الله على معصيته.

قال سبحانه: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾

قال الشيخ السَّعدي –رحمه الله-: «فأكثرهم, لم يشكروا اللّه تعالى على ما أولاهم من نعمه, ودفع عنهم من النقم.
والشكر: اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى, وتلقيها افتقارا إليها, وصرفها في طاعة اللّه تعالى, وصونها عن صرفها في المعصية» اهـ.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾.
قال ابن عطية رحمه الله: «فـ(ثم) دالَّة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى: أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان ، أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني، ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم، والله أعلم» اهـ.

ويتأتى هذا الخلق الكريم كذلك مع عباد الله، وحسن ذلك مستقرٌّ في الفطر، ويشهد بفضله العقل والأثر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه الألباني وابن باز وغيرهما).

قال الخطابي رحمه الله: «هذا يُتأوَّل على وجهين:
أحدهما: أن من كان طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له.

والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم» اهـ.

وتأمَّل في الوجه الأوَّل الذي ذكره الخطابي –رحمه الله-، فإن فيه إشارة إلى أمر عظيم؛ أن الأخلاق إنما هي ما رسخ في النَّفس وصار هيئة دائمة لها، فمن كان كريم الطبع زكيَّ النفس أحسنَ معاملة ربِّه وتأدَّب معه، فوحَّده وأدام طاعته وتجنب ما فيه إغضابه سبحانه، وتعامل بمثل ذلك كذلك مع عباده، وعُلم منه أن ما يرى من أخلاق كثير من المنحرفين والمبتدعين، ومن كفار المشركين والغربيين إنما هي تصنُّع وتكلُّف، وإلا فلو كانت صادقة لقابلوا بها ربهم وفاطرهم، ولكنها الأغراض والمصالح، والله أعلم.

ومن نظر في أخلاق النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- ومواقفه الشريفة، رأى هذا الخلق الكريم ظاهرا جليا، ومثل ذلك عند الصحابة الكرام –رضي الله عنهم أجمعين-،ومن الحوادث التي جمعت ذلك وبيَّنته، وهي مفخرة لهذه الأمة، ما وقع في غزوة حنين، فعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- لمَّا أعطَى رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - ما أعطَى مِن تلكَ العَطايا في قُرَيْشٍ وقبائلِ العربِ ، ولم يَكُن في الأنصارِ مِنها شيءٌ ، وجدَ هذا الحيُّ منَ الأنصارِ في أنفسِهِم حتَّى كثُرَتْ فيهمُ القالةُ ، حتَّى قالَ قائلُهُم لَقيَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - قَومَهُ فدخلَ علَيهِ سعدُ بنُ عبادةَ فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، إنَّ هذا الحيَّ قد وَجدوا عليكَ في أنفسِهِم لما صنَعتَ في هذا الفَيءِ الَّذي أصبتَ ، قسَمتَ في قَومِكَ وأعطَيتَ عطايا عِظامًا في قبائلِ العرَبِ ، ولم يَكُن في هذا الحيِّ منَ الأنصارِ شيءٌ قالَ : فأينَ أنتَ مِن ذلِكَ يا سَعدُ ؟ قالَ : يا رسولَ اللَّهِ ما أَنا إلَّا امرؤٌ من قَومي وما أنا . قالَ فاجْمَع لي قَومَكَ في هذِهِ الحظيرةِ قالَ : فخَرجَ سعدٌ فجمعَ النَّاسَ في تلكَ الحظيرةِ . قالَ : فجاءَ رجالٌ منَ المُهاجرينَ فترَكَهُم فدَخلوا . وجاءَ آخرونَ فردَّهم . فَلمَّا اجتَمعوا أتاهُ سعدٌ فقالَ : قدِ اجتَمعَ لَكَ هذا الحيُّ مِنَ الأنصارِ قالَ : فأتاهُم رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - فحمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ بالَّذي هوَ لَهُ أهلٌ . ثمَّ قالَ : يا مَعشرَ الأنصارِ مَقالةٌ بلغَتْني عنكُم ، وجِدةٌ وجدتُموها في أنفسِكُم ، ألَم آتِكُم ضُلَّالًا فَهَداكمُ اللَّهُ ، وعالةً فأغناكمُ اللَّهُ ، وأعداءً فألَّفَ اللَّهُ بينَ قلوبِكُم ؟ قالوا : بلِ اللَّهُ ورسولُهُ أمَنُّ آمن الصواب أمَنُّ وأفضَلُ . قالَ : ألا تُجيبوني يا معشرَ الأنصار ؟ قالوا : وبماذا نُجيبُكَ يا رسولَ اللَّهِ ، وللَّهِ ولرسولِهِ المنُّ والفَضلُ . قالَ: " أما واللَّهِ لو شئتُمْ لقلتُمْ ، فلَصَدقتُمْ وصُدِّقتُمْ أتَيتَنا مُكَذَّبًا فصدَّقناكَ ، ومَخذولًا فنصَرناكَ وطريدًا فآويناكَ ، وعائلًا فأغنَيناكَ ، أوجَدتُمْ في أنفسِكُم يا معشرَ الأنصارِ في لُعاعةٍ منَ الدُّنيا تألَّفتُ بِها قَومًا ليُسلِموا ، ووَكَلتُكُم إلى إسلامِكُم أفلا تَرضَونَ يا مَعشرَ الأنصارِ أن يذهبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبعيرِ وتَرجِعونَ برسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - في رحالِكُم فَوالَّذي نَفسُ مُحمَّدٍ بيدِهِ لَولا الهِجرةُ لَكُنتُ امرءًا مِن الأنصارِ ولَو سلَكَ النَّاسُ شِعبًا وسلَكَتِ الأنصارُ شِعبًا لسلَكْتُ شِعبَ الأنصارِ . اللَّهمَّ ارحمِ الأنصارَ وأبناءَ الأَنصارِ وأبناءَ أبناءِ الأنصارِ . قالَ : فبَكَى القَومُ حتَّى أخضَلوا لِحاهُم وقالوا : رَضينا بِرَسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - قَسْمًا وحظًّا . ثمَّ انصَرفَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - وتفرَّقْنا .(أخرجه بهذا اللفظ ابن هشام في سيرته وصححه الألباني وحسنه الوادعي، وأصله في الصحيحين).

وهكذا كانت حال العلماء والصالحين، قال أبو معاوية الأسود - رحمه الله -: «إنّ الرجل ليلقاني بما أحبّ , فلو حلّ لي أن أسجد له لفعلت»، وقد قال الذهبي –رحمه الله- عن أبي معاوية هذا –رحمه الله-: «من كبار أولياء الله».

وقال أبو عبيد الله - رحمه الله -: «إن الكريم ليشكر حتّى اللحظة».

قال منصور بن المعتمر - رحمه الله -: «إنّ الرجل ليسقيني الشربة من الماء, فكأنما يكسر بها ضلعا من أضلاعي».

ثم خلف من بعد هؤلاء قوم أضاعوا معالي الأمور واتبعوا سفاسفها، واستبدلوا بكريم الأخلاق رذيلها، والله المستعان، جاء في «الصحيحين» عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إني أُرِيتُ الجنةَ ، فتناوَلْتُ عُنْقُودًا ، ولو أَصَبْتُه لأَكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدنيا ، وأُرِيتُ النارَ ، فلم أرَ منظرًا كاليومِ قطُّ أَفَظَعَ ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ . قالوا : بِمَ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : بكفْرِهِنَّ . قيل : يَكْفُرْنَ باللهِ ؟ قال : يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ ، لو أَحْسَنْتَ إلى أحدِاهن الدهرَ كلَّه ، ثم رأَتْ منك شيئًا ، قالت : ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ» ، والمراد بالكفر هنا الجحد والتغطية.

قال العيني ـ رحمه الله ـ في بيان فوائد هذا الحديث: «منها: تحريم كفران الحقوق والنعم، إذ لا يدخل النار إلا بارتكاب حرام».

وقال النووي: «توعده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار يدل على أنهما من الكبائر».

وقال ابن بطال: «فيه دليل على أن العبد يعذب على جحد الإحسان والفضل وشكر النعم، قال وقد قيل إن شكر المنعم واجب» اهـ.

فهذا الخلق الدنيء –كفران الإحسان- سبب لدخول النار –والعياذ بالله-، وهو كذلك يجلب لصاحبه العار والشنار، ويضعه في مصف الأشرار، وينبغي للعاقل المريد لنفسه الخير أن يتنزه عنه، ويربأ بنفسه أن يتدنس به، فإن في ذلك راحة البال وطمأنينة الحال، أما اقترافه فسَفَهٌ في العقل، ومجلبة للأعداء، ومدعاة للشحناء، وضنك في العيش، وسوء عاقبة في المآل.

ومن الأمثال السائرة قولهم: «اتق شر من أحسنت إليه».

وقال ابن حزم -رحمه الله-: «من أحسنت إليه أوّل مضرّ بك، وساع عليك، فإنّ ذوي التّراكيب الخبيثة يبغضون -لشدّة الحسد- كلّ من أحسن إليهم، إذا رأوه في أعلى أحوالهم».

وقال المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت الَّلئيم تمرَّدا

وإنه لمن كمد القلب وشديد حسرته أن يحسن الأخ لأخيه بصنوف الإحسان ثم يقابله بالإساء والنكران، فضلا عن ترك شكره ورد الجميل، وأشد منه أن يفعل هذا؛ التلميذ مع شيخه، أو الولد مع والديه، وكلما كان الإحسان أكبر والفضل أوكد كان النكران أقبح، والله المستعان.

هذا ما يسَّر الله جمعه، وتركت نقولا خشية الإطالة، وفيما ذكر غنية وبلغة لمن كان ذا معدن طيب فينتفع بالذكرى، والله الموفق.

كتبه/ أبو محمد مهدي البجائي
الأحد 15 رمضان 1435

رابط دائم رابط التغريدة 126
12:07 PM - 13/02/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث