الوقت المتوقع للقراءة: 05 دقائق و 04 ثانية

يكفي دليلاً-قويّاً-على كشف تذبذُب أصولِ مذهبِ مؤوِّلةِ الأسماء الإلهية، والصفات الربانية-ونقده، وعدم انضباطِه -: اختلافُ أكبر علمائهم-وطوائفهم- فيما يُثبتونه، أو يَنفونه مِن أسماءٍ وصِفاتٍ-في هذا البابِ الجليل-:
* ففئةٌ أثبتت سبعَ صفاتٍ!
* وأخرى أثبتت ثلاثَ عشرةَ صفةً!
* وثالثةٌ أثبتت عشرين صفةً!
وذلك على حسَب ما ورد في كتاب «توضيح العقيدة المفيدة في علم التوحيد لشرح (المزيدة)» -لأحمد الدردير-، تأليف :الشيخ حسين عبد الرحيم مكّي/ الجزء الثاني-المقرَّر بالمعاهد الأزهريّة /الطبعة الرابعة (1383هـ - 1963 م)-وغيره!-حيث قال-:
(إن صفات الله -عز وجل- عشرون صفة -في قول مذهب جماعة-؛ منهم: الرازية، أما في قولٍ آخرَ؛ فالإمام الأشعري -ومَن ذهب مذهبه-: أنها ثلاث عشرة صفة-، والمتفق عليه: سبع صفات، وهي صفات المعاني..)!!
وفي هذا التباين الظاهر-بين الإثبات والنفي-عندهم!-تظهرُ الحجةُ عليهم-جميعاً-:
فالذي انتقص مِن إثبات عدد من الصفات-قَلّ أو كثُر-؛ نسألُه: لماذا لم تُثبتها؟!
والذي زاد على المنتقِص بالإثباتِ لها-قَلّ أو كثُر-؛ نسألُه: لماذا أثبتَّها؟!
ثم يَرِدُ السؤالُ إلى الفِرَق الثلاثة-مَعاً-: ما ضوابطُ النفي والإثبات بينكم-ولا أقول: عندكم-؟!
فما أثبتّموه مِن صفات الباري –جل وعلا- يَرِدُ عليه-تماماً-إشكالُ ما نفيتموه!
والعكسُ صحيحٌ-كذلك-؛ فما نفيتموه واردٌ عليه-تماماً-حُجّةُ ما أثبتّموه!!
وما ذلك كذلك إلا لاعتبارِ «أَنّ مَثَلاً وَاحِدًا مِن آيَات الصِّفَات ينسحبُ على الْجَمِيع؛ إِذْ لَا فرقَ بَين الصِّفَات؛ لِأَنّ الْمَوْصُوفَ بهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ -جلّ وَعلا- لَا يُشبِههُ شَيْءٌ مِن خلقِه فِي شَيْءٍ من صِفَاته –ألْبَتَّةَ-».
« فَكَمَا أَنكُمْ أثبتُّم لَهُ سمعاً وبصراً لائقَين بجلاله-لَا يُشبهان شَيْئاً مِن أسماع الْحَوَادِث وأبصارهم؛ فَكَذَلِك يلْزمُ أَن تُجْرُوا هَذَا –بِعَيْنِه- فِي صفة (الاسْتوَاء)، و(َالنُّزُول)، و(المجيء)-إِلَى غيرِ ذَلِك مِن صِفَات الْجلَال والكمال-الَّتِي أثنى الله بهَا على نَفسه-.
وَاعْلَمُوا أَنَّ ربَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض يَسْتَحِيلُ –عقلاً- أَن يصفَ نَفسَه بِمَا يلْزمُه مَحْذُورٌ، وَيلْزمُهُ محَالٌ، أَو يُؤَدِّي إِلَى نقصٍ!
كلُّ ذَلِك مُسْتَحِيلٌ –عقلاً-؛ فَإِنَّ الله لَا يصفُ نَفسَه إِلَّا بِوَصْفٍ بَالغٍ من الشّرف، والعلوِّ، والكمال: مَا يقطعُ جَمِيعَ علائقِ أَوْهَام المشابَهة بَينه وَبَين صِفَات المخلوقين، على حدِّ قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثلِه شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾»-كما قال العلامةُ القرآنيّ محمد الأمين الشِّنقيطيّ-رحمه الله-.
ومِن أهمّ أسبابِ هذا التناقضِ في (باب أسماء الله-تعالى-وصفاتِه)-إثباتاً ونفياً-والتفاوت في ذلك-عند فِرَق المؤوِّلةِ-، هو: عدمُ إدراك حقيقةِ (الاشتراكِ اللفظيِّ) الموجودِ-واقعاً-بين ما وصَف الله-تعالى-به نفسَه، أو وصفَه به رسولُه-صلى الله عليه وسلم- مِن أسماءٍ حُسنى، وصفاتٍ عُلى= لله-سبحانه-، وبين ما ورد مِن بعضِ ذلك فيما وصف به-سبحانه- بعضَاً مِن خلقه-كاسمَيِ (السميع)، و(البصير)-مثلاً-الدالَّين على صِفتيِ (السمع)، و(البصَر)-:
فالأمرُ-إذن-كما قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميّة:« اللفظُ إذا كان فيه (اشتراكٌ) قد يغلطُ الناسُ في فهمهم؛ فلا يُعرَف المعنى »، وقال-رحمه الله—مُلزِماً مخالِفيه-: «اللفظُ المفرَدُ -إذا سُمِّي به مُسمّىً-: لم يُعرَف معناه حتى يُتَصَوَّرَ المعنى –أولاً-، ثم يُعلَم أنّ اللفظَ دالٌّ عليه:
فإذا كان (اللفظ مشترَكَاً) [مَحْضاً] ؛ فالمعنى الذي وُضع له -في حقِّ الله- لم نعرفه بوجهٍ من الوجوه! فلا يُفهَم مِن أسماء الله الحسنى معنىً –أصلاً-، ولا يكونُ فرقٌ بين قولنا: (حي)، وبين قولنا: (ميت)، ولا بين قولنا:( موجود)، وبين قولنا: (معدوم)، ولا بين قولنا: (عليم)، وبين قولنا: (جهول) ، أو: (ديز!)، أو: (كجز!)!
بل يكون بمنزلة ألفاظٍ أعجميةٍ سمعناها! ولا نعلمُ مسمَّاها! أو ألفاظٍ مهمَلةٍ لا تدلُّ على معنى-كـ(ديز!)، و(كجز!)- ونحو ذلك-!».
وعليه؛ فـــــ «إنّ أكثرَ اختلافِ العقلاء مِن جهة (اشتراك الأسماء)، واللهُ –تعالى- ورسولُه- إذا خاطب عبادَه باسمٍ مشترَكٍ؛ كان مقرونًا -في كل موضعٍ- بما يبيِّن المرادَ به »-كما قال شيخُ الإسلام-:
فذاك (الاشتراك اللفظيّ)-حيثُ وُجِدَ-فإنّه لا ينفي-أبداً- أنْ يكونَ –هناك-بين اللفظَين المتوافِقَينِ- قَدْرٌ مِن المعنى المشترَك، الذي تتميزُ - به - معاني الألفاظِ عن بعضِها البعض؛ سواءً في ذاتِها-كالفرق بين (السمع)، و(البصر)-من جهةٍ-، أو فيما يتعلّقُ بالموصوف بها-كالفرق بين الخالق والمخلوق-وصفاتٍ كلٍّ-من جهةٍ أخرى-.
فـ(الاشتراكُ اللفظيُّ) إذا أُريدَ به نفيُ الـمَعاني المتبايِنةِ بين الألفاظِ، المترتّبةِ على تغايُر الموصوفات؛ فهو-إذن- تعطيلٌ للُّغةُ عن مَدارِكها ومطلوباتِها؛ لِـيؤولَ الكلامُ -بسببِ ذا- عِبئاً-بِلا دَلالةِ معنىً-، وعَبَثاً-بلا رُوحِ حقيقةٍ-!
فهما اثنتان-إحداهما آخذةّ بعنق الأخرى-، الأولى: عدم استيعاب دقائق (الاشتراك اللفظي)-وآثاره-، والثانية: التناقض بين الإثبات والنفي!!
وبالتالي؛ فإنّ عدمَ ضبطِ هذا الباب: خِلافُ الأمر الربّانيّ العظيم-في كتابِه-:﴿أفلا يتدبّرون القرآن﴾، ونَقيضُ التوجيه الإلهيّ الجليل-لِكتابِه-: ﴿إنّ هذا القرآنَ يهدي للّتي هي أقوَمُ﴾....
والله-وحده-الموفّق...

رابط دائم رابط التغريدة 234
4:31 PM - 23/04/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث