الوقت المتوقع للقراءة: 05 دقائق و 51 ثانية

قال الشيخ المُحَدِّث علي بن حسن الحلبي الأثري -حفظه الله-:

ممّا ينبغي على كُلّ مُوَفَّقٍ -ذي نظَرٍ فقهيٍّ راشدٍ سَديدٍ- أنْ يتأمَّلَهُ-جَليَّاً-، وأنْ يَتَفَكَّرَ فيه-مَلِيَّاً-دينيّاً واجتماعيّاً-:
موضوعُ نَقْلِ الخلافِ العلميِّ الشرعيِّ التاريخيِّ-المستمرّ-بأحكامه الحادّة-أحياناً!-مِن جَوامِع العلمِ والثقافةِ والمعرفةِ: إلى مَجامع عَوَامِّ المسلمين ومَجالِسهم، وشَغْلُهم به، وإغراقُهم فيه-وبخاصّةٍ في زمانِ عالَم الإنترنت! ووسائلِ التواصلِ المعاصِرة!-؛ لِـما له مِن مَآلاتٍ سلبيّـةٍ-جداً-على الواقع الاجتماعيّ العامّ–الحقيقيّ والافتراضيّ-؛ وآثارٍ نفسيّـةٍ مَريرة، ونتائجَ تأثيريّةٍ خطيرة؛ قد تنعكسُ-كثرةً أو قلّةً- على المجتمع-كلِّه-بالسوءِ؛ تعكيراً لأجواءِ أُلفتِه وأمانه، واطمئنانه وإيمانه-!
ويَزدادُ الحذَرُ حذَراً-أكثرَ وأخطرَ-: إذا كان ذلك الخلافُ في أبواب الاعتقاد الغيبيّـة الإيمانيّـة، التي كانت- ولا تزالُ- جزءاً لا يتجزّأُ من التاريخ العقائديّ للأمّة-جمعاءَ-على ما وقع بين فئاتها –منذ قرونٍ وقرونٍ-مِن خلافات منظورة، واختلافات مشهورة-أكثرُ العامّةِ بعيدون عنها، ناؤون منها-لا يَدْرونَها-لِنقاءِ فِطَرِهم مِن الـمَغامِز، وبَقائهم على دين العجائز-كما قاله الإمامُ ابنُ دقيقِ العيد-قديماً-فيما نقله العلامة المؤرِّخ صلاح الدين الصفَديّ في كتابِه «أعيان العصر وأعوان النصر» (4/600)-رحمهما الله-تعالى-:
تَجَاوَزْتُ حَدَّ الْأَكْثَرِينَ إِلَى الْعُلَى -- وَسَافَرْتُ وَاسْتَبْقَيْتُهُمْ فِي الـمَراكزِ
وَخُضْتُ بِحَارًا لَيْسَ يُدْرَكُ قَعْرُهَا --- وَسَيَّرْتُ نَفْسِي فِي فَسِيحِ الـمَـفاوِزِ
وَلَجَّجْتُ فِي الْأَفْكَارِ ثُمَّ تَرَاجَعَ اخْـ --- ـتِيَارِي إِلَى(اسْتِحْسَانِ دِينِ الْعَجَائِزِ)

...فـ..الأصلُ الأصيلُ-في مثل هذا المرتقى الوَعْرِ-وأشباهِه-: أنَّ ما وقع بين العلماء والأئمّة-بعضِهم بعضاً-مِن الخلافِ في مسائل العلم الدقيقةِ العالية- يجبُ أن يبقى كما هو-بين حَمَلةِ العلم-؛ في إطار تباحثيٍّ ضيّق-ودود-، مِن غير توسُّع-غيرِ محمود-.
وبخاصّةٍ أن لكلام العلماء-في أبواب العلم الدقيقة-والعقيدةُ منها بوجهٍ أَخَصَّ-ضوابطَ وشروطاً لا يُدركها كثيرٌ مِن الخاصة، ولا يتنبّهون لها-فضلاً عن عدمِ فهمِ-أو تَفَهُّمِ- أكثرِ العامّةِ والدهماء لها-!
ويبقى حقُّ التخطئة والتصويب-بين سائر المختلِفين-مَحوطاً محفوظاً- لا شكَّ فيه، ولا شُبهة تعتريه-في إطارِ الحُجة والعلم، والأدب والحِلم-.
مع البُعد، والمباعَدة، والتباعُد عن ألفاظ التكفير، وأحكامه، وأبوابه، وأسبابه-وما يُوصِلُ إليه، أو يَرجعُ عليه-كيفما كانت، وأينما سارت، أو صارت-..
فالتكفيرُ شأنٌ قبيحٌ-جداً-؛ ما فَتِئنا نترصّدُ له، ونتصدّى لأربابه، ونكتبُ-ونتكلَّمُ- محذِّرين منه، منفِّرين عنه-منذ أكثرَ مِن ربع قرن من السنين-يومَ أنْ كان أكثرُ الناس عن خطرِه غافلين-!
ومثلُ (التكفير)-في هذه الأبوابِ الدقيقةِ-حِرصاً وحَذَراً-: (التبديعُ)-وإن كان القولُ فيه أَيْسَرَ وَأَهْوَنَ-؛ ذلكم أنه ما مِن فقيهٍ-في التاريخ العلميّ الإسلاميّ-كلِّه-إلا وله حُكمٌ-أو أحكامٌ-على تصرُّفاتٍ حادثةٍ-ما-بأنها:(بدعةٌ)، أو:(بِدعٌ)!
ثم تأتي الإشارةُ العلميةُ الواثقةُ -المنهجيّةُ- في التفريق بين الحكم النوعيّ بـ(البدعة)-على الفِعل-، وبعدَم لُزومِ كونِ الفاعل لها(مبتدعاً)-فضلاً عن الخلافِ العلميّ الساري-والسائر-بين العلماء في الحُكم بالبدعة على أشياءَ وأُمورٍ-مِن الحوادث والمُحدَثات-والأمثلةُ أكثرُ مِن أن تُحصى-!
مع التوكيدِ، والتركيزِ-قَبلاً وبَعداً-على أنّ التبديعَ المنفلتَ شأنٌ مَرفوض، وأَنّ تنزيلَ القواعدِ الدقيقةِ-فيه، وعليه-لِضَبْطِه- أَمرٌ لازمٌ مَفروض..
وممّا يجبُ إضافتُه إلى جميعِ ما تقدّم–والتنبيهُ إليه-: أُمورٌ مهمّةٌ-غايةً- لا يجوزُ إغفالُها، ولا التغافلُ عنها؛ أَلا وهي: وجوبُ تفعيل دَور التناصح في الدين بين المسلمين، والتواصي بالحق والصبر والمَرحمة بين عموم المتعلّمين، والتعاون على البِرِّ والتقوى لِربّ العالَمين، والاعتصامِ بحبل الله-تعالى-أجمعين-...
وفي التاريخِ عبرةٌ-وأيّةُ عبرةٍ-:
فها هُو ذا شيخُ الإسلام ابن تيميّة-رحمه الله- يتكلّمُ عن جانبٍ مِن الفتنةِ التي كانت بينه وبين بعضِ معاصِريه من أهل العلم المخالفين له-يومَذاك-وهو القاضي ابنُ مَخلوف المالِكيّ-رحمهما الله-كما في كتابِه « مجموع الفتاوى» (3 /271)-قائلاً-بنفسيّـةٍ تسامُحيّـةٍ عاليةٍ-:
(وأنا –واللهِ- مِن أعظم الناس مُعاوَنةً على إطفاء كلِّ شرٍّ فيها -وفي غيرها-، وإقامةِ كل خيرٍ.
وابنُ مخلوفٍ؛ لو عَمِل مهما عَمِل –واللهِ- ما أَقدرُ على خيرٍ إلا وأَعملُه معه، ولا أُعين عليه عدوَّه –قَطُّ- ولا حول ولا قوة إلا بالله-.
هذه نيّتي وعَزمي-مع علمي بجميع الأمور-؛ فإني أعلمُ أنّ الشيطانَ ينزغُ بين المؤمنين، ولن أكونَ عوناً للشيطانِ على إخواني المسلمين...
...والله يختارُ للمسلمين –جميعِهم- ما فيه الخِيرةُ في دينِهم ودنياهم.
ولن ينقطعَ الدَّوْرُ، وتزولَ الَحيرةُ إلا بالإنابةِ إلى الله، والاستغفارِ، والتوبةِ، وصِدْقِ الالتجاءِ؛ فإنّه –سبحانه- لا مَلْجأَ منه إلا إليه، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله).
...وقد دفَع هذا الموقفُ الأخلاقيُّ المسلَكيُّ الرائعُ الرفيعُ القاضيَ ابنَ مخلوفٍ-رحمه الله-بعد ذلك-إلى أن يقولَ-منصِفاً-: ( ما رأينا أتقى مِن ابن تيميّـة؛ لم نُبْقِ مُمكِناً في السعيِ فيه، ولَـمّا قَدِرَ علينا عفا عنّا)-كما في «العقود الدرّية»( ص 298)-للحافظ محمد بن عبد الهادي-رحمه الله-.
فمَن لم يُدْركِ الفرقَ الدقيقَ بين الاختلافاتِ الواقِعةِ في الأبحاث العلمية الشرعية العالية-بين أهل العلمِ-، وبين المَسالكِ الأخلاقيةِ الراقِيةِ الواجبِ وجودُها بينهم-تآلُفاً وائتلافاً-؛ فلْيَبكِ على نفسِه، ولْيَعتَبِر يومَه بِأَمسِه..
ورحم اللهُ-سبحانه-إمامَ أهلِ السنّة الإمامَ أبا عبد الله الشافعيَّ الهاشميَّ، القائلَ -فيما ذكر تلميذُه الإمامُ يونُس بنُ عبدِ الأعلى-:( ناظرتُ الشافعيَّ –يوماً- في مسألةٍ، ثم افترقنا، ولقيَني، فأخَذَ بيدي، ثم قال لي:« يا أبا موسى: ألا يستقيمُ أن نكون إخواناً -وإن لم نتفقْ في مسألةٍ-)-كما في «تاريخ دمشق»(51/304)-.
والله الهادي إلى سواء السبيل..

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=549914442075461&id=100011707293874

رابط دائم رابط التغريدة 22
2:41 AM - 27/04/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث