الوقت المتوقع للقراءة: 05 دقائق و 27 ثانية

"دعوات تدويل الأماكن المقدسة على ضوء أحكام القانون الدولي"

منذ أن شيد نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت العتيق بمكة المكرمة، وملايين المؤمنين يحجون اليه، ومنذ ذلك التاريخ يقوم الحاكم السياسي للمدينة المقدسة بتنظيم وإدارة شؤون الحج ابتداء من نبي الله إسماعيل عليه السلام ثم قبيلة قريش التي حكمت مكة المكرمة من بعده، واستمر تقليد إدارة وخدمة الحجيج بيد من يحكم المدينة المقدسة سياسياً، وبعد فتح مكة المكرمة تولى محمداً رسول الله إدارة وتنظيم الحج ، وتلاه خلفاؤه الراشدون، ثم بني أمية والعباسيين والمماليك والعثمانيين ثم السعوديين؛ فاستقر العرف الديني والإقليمي للمدينة وترسخ في وجدان الأمة الإسلامية والمنطقة أن تنظيم وإدارة حج المسلمين للبيت العتيق بيد من يحكم المدينة المقدسة سياسياً وهذا النهج يعتبر عُرفاً مستقراً ضارباً في التاريخ موغلاً في القدم من عهد نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام وحتى الآن. فإدارة الأماكن المقدسة عرفاً إقليمي نشأ مع نشأة البيت العتيق، قبل نشأة القانون الدولي العام الذي يؤكد بدوره على ضرورة المحافظة على الأعراف والتقاليد الإقليمية والدولية، حفاظاً على الأمن والسلم الدوليين واستقرار العلاقات، إذ اشارت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام 1969م في ديباجتها إلى ان العرف يبقى الأساس المُنظم للقانون الدولي العام في حال عدم وجود اتفاقيات مكتوبة. إذاً فالقانون الدولي العام قائم في مجمله على الأعراف والتقاليد الدولية والإقليمية، التي تؤكد على وجوب احترام الأعراف المستقرة وسيادة الدول على اقاليمها، حيث نصت المادة الثامنة والثلاثون من نظام محكمة العدل الأساسي على أن العُرف مصدر أساسي للقانون الدولي العام. وعلى الدول احترامه والالتزام به، حتى يسود السلام والاستقرار في العالم. ولا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة ما يسوّغ لدولة أو دول التدخل في شؤون الدول الأخرى أو التأثير على سيادتها واستقلالها من خلال تشويه فكرة التدويل نبيلة الأساس لأهداف عدوانية واستعمارية.

وغني عن البيان، أن الدعوة لتدويل الحرمين الشريفين لم يتم إثارتها، إلا مع ثورة الخميني في إيران عام 1979م والتي ينص دستورها على وجوب تصدير ثورة الخميني وارغام العالم الإسلامي للخضوع لأيدولوجيتها المتطرفة، وقد لحقها اخرون مثل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، وأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، وهي دعوات سياسية بحته ذات أغراض صراعية مع السعودية، منها ما هو طارئ أي ينشأ وينتهي بنشأة الخلاف وانتهاءه، ومنها ما هو إيدلوجي ذا صلة بسياسات توسعية.
ومن المهم جداً في هذا السياق تعريف مصطلح تدويل (Internationalisation)المتعارف عليه في القانون الدولي العام، حيث يعرفه معجم القانون مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية بـ: " إخضاع نطاق ما، مثل مدينة أو إقليم أو نهر أو قناة لنظام يحدده القانون الدولي الاتفاقي. كما يستخدم ذات الاصطلاح للإشارة إلى إقامة نظام دولي لإدارة ثروات معينة. كما يستخدم أحياناً للإشارة إلى واقعة تدخل دولة أو دول في شأن يتعلق بدولة أو دول أخرى".
يتضح مما سبق أن فكرة التدويل تكون على ثلاثة أشكال هي:
1) التعاون الرضائي الاتفاقي بين الدول سعياً منها لتعزيز التعاون الدولي من خلال ابرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية الرضائية، وهو تعاون لا يمس سيادة الدول لأنه يتم من خلال توقيع الاتفاقية وهذا النوع كان قبل تأسيس عصبة الأمم في مرحلة جمع شتات قواعد القانون الدولي وتأسيس ملامحه الحديثة، ومثل ذلك التعاون الدولي في إدارة الأنهار الدولية ؛
2) تعاون الدول المشترك في المناطق الخارجة عن إقليم الدول وسيادتها كأعالي البحار وما شابهها، وهو تعاوناً يخدم المجتمع الدولي وليس فيه أي تدخل أو تأثير على سيادة وسلامة إقليم الدول، مثل الثروات غير الحية لقيعان البحار والمحيطات فيما يجاوز حدود الولاية الإقليمية، طبقاً لأحكام الجزء الحادي عشر من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار لعام 1982م ؛
3) في حال انفصال إقليم ما أو انهيار السلطة الحاكمة فيه بحيث تزول الحكومة ذات السلطة والسيادة وتدخل دولة أو دول لإخضاع الإقليم المنفصل أو المنهارة سيادة الدولة فيها لحماية الأرواح ومنع المذابح فقط كحل مؤقت للحفاظ على الجانب الإنساني، كما حصل في إقليم كوسافا.
عليه؛ يتبين أن أساس فكرة التدويل في القانون الدولي العام، هو أساس تعاوني رضائي لتحقيق مصالح ومنافع لجميع الدول، لا يمس أو يهدد سيادة الدول على إقليمها، ويجب على المجتمع الدولي ورجال القانون والسياسة ادانة عملية التشوية التي تتعرض لها مفاهيم ومبادئ القانون الدولي المستقرة، لما يسببه ذلك من ضعضعة للنظام الدولي، وحتى لا تتحول فكرة التدويل ذات الأهداف النبيلة التعاونية إلى أهداف عدائية استعمارية تهدد أمن وسلامة واستقلال وسيادة الدول والمجتمع الدولي. فميثاق الأمم المتحدة يحرم أي تهديد يمس كيان وسيادة الدول أو يؤثر على استقلالها، حيث نصت المادة الثانية الفقرة السابعة من ميثاق هيئة الأمم المتحدة على:" ليس في هذا الميثاق ما يسوغ "للأمم المتحدة" أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما...‏". وفي هذا السياق صدر قرار مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي السابع عشر بعمان المملكة الأردنية الهاشمية رقم (21/17-س) وتاريخ 21-25 مارس 1988م مؤكداً على سيادة المملكة العربية السعودية الكاملة على المشاعر المقدسة، وعلى هذا الأساس التزمت دول العالم الإسلامي مجتمعة بطلب المملكة تحديد اعداد الحجاج حفاظاً على الأرواح وضماناً لانسيابية الحجيج، وفق عدد سكان الدول الإسلامية، بما يكفل تحقيق تكافؤ الفرص؛ بالاستناد إلى ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي وأهدافه التي تنُص على وجوب احترام سيادة كل عضو من أعضاء المنظمة.
والمتأمل في النهضة العمرانية الإسلامية الضخمة في مكة المكرمة، والخدمات الحضارية المذهلة، ولأعداد قوى حفظ الأمن في موسم الحج والتي تتجاوز مائة الف عنصر، يتأكد أنه أمام مدينة تحت سيادة دولة قوية ذات سلطان وسيادة وحكماً رشيد تخدم ضيوف بيت الله الحرام؛ بكل اقتدار، أي أن جميع مفاهيم واهداف التدويل في القانون الدولي غير منطبقة على مدينة المسلمين المقدسة مكة المكرمة زادها الله شرفاً، حيث تحظى بحكم سياسي وأمني وعمراني وخدمي قوي قادر على حماية وإدارة ملايين الحجاج بكفاءة واقتدار مُلفت للأنظار. وأي توظيف مشوه لمفهوم التدويل بما يهدد سيادة الدولة السعودية يعتبر انتهاكاً صارخاً لاستقلالها وسيادتها.
وبمقارنة عابرة مع دور العبادة في الأديان الأخرى نجد على سبيل المثال أن الفاتيكان مقر الكنيسة الكاثوليكية بقلب العاصمة الإيطالية، وهي دولة خاصة بالبابا الأعظم بالنسبة للنصارى وهي تحظى بدعم ونفوذ عالمي كبير، لكنها لا تستطيع بالرغم من نفوذها وقوتها المطالبة بتدويل كنيسة القيامة الواقعة بمدينة القدس الشريف، والتي تعتبر أهم وأعظم الكنائس بالنسبة للنصارى في العالم، وذلك لأن كنيسة القيامة تحت إدارة نصارى المشرق العربي من اتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الأرثوذكسية المشرقية. فنحن امام عُرف عالمي لا خلاف عليه بين الأمم والشعوب.
ويتضح للمتأمل في مفهوم التدويل الخميني المشوه أنه مصدر لزعزعة الاستقرار والأمن العالمي وأن باعث فكرة تدويل الحرمين الشريفين باعث استعماري توسعي ينتهك الأعراف والتقاليد الإسلامية العريقة الموغلة في القدم، ويخرق قواعد القانون الدولي العام باعتدائه على عرف إقليمي يحكم نظام الإدارة في المدينة المقدسة منذ الازل. ويخالف العرف العالمي الخاص بتنظيم دور العبادة.
وبناء على التأصيل الشرعي والقانوني والتاريخي المتقدم فيحق للمملكة العربية السعودية اعتبار دعوات تدويل أراضيها إعلان حرب يهدد أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها، ويحق لها الرد عليها بكافة الوسائل والسبل التي يكفلها القانون الدولي، كما جاء على لسان معالي وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.

المستشار القانوني/ فيصل بن عبدالعزيز الخريجي

رابط دائم رابط التغريدة 46
7:11 AM - 27/04/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث