الوقت المتوقع للقراءة: 23 دقائق و 22 ثانية

حول (أسماءِ الله-تعالى-، وصفاتِه)-4-:

مُناظَرةٌ بالبيِّنات بين مؤوِّلة الصفاتِ الإلهيّة، وأهل الإثبات:


قال الإمامُ الربّاني، وشيخُ الإسلام الثاني، الحافظُ ابنُ قيِّمِ الجوزيّةِ-تغمّده الله برحمتِه-في كتابِه الجليلِ «الصواعق المرسلَة..»(1/42-50 -المختصَر)-ما نصُّهُ-:

« لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ نَفْسَهُ (بِصِفَاتٍ)، وَسَمَّى نَفْسَهُ (بِأَسْمَاءٍ)، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ (بِأَفْعَالٍ):
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ: (يُحِبُّ وَيَكْرَهُ)، وَ(يَمْقُتُ وَيَرْضَى)، وَ(يَغْضَبُ وَيَسْخَطُ)، وَ(يَجِيءُ وَيَأْتِي)، و(يَنزلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا)، وَأَنَّهُ(استوى عَلَى عَرْشِهِ)، وَأَنَّ لَهُ(عِلْمًا، وَحَيَاةً، وَقُدْرَةً، وَإِرَادَةً، وَسَمْعًا، وَبَصَرًا، وَوَجْهًا)، وَأَنَّ (لَهُ يَدَيْنِ)، وَأَنَّهُ(فَوْقَ عِبَادِهِ)، وَأَنَّ(الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ)، وَ(تَنزِلُ بِالْأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ)، وَأَنَّهُ( قَرِيبٌ)، وَأَنَّهُ( مَعَ الْمُحْسِنِينَ)، وَ(مَعَ الصَّابِرِينَ)، وَ(مَعَ الْمُتَّقِينَ)، وَأَنَّ(السَّمَاوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
وَوَصَفَهُ رَسولُهُ[صلى الله عليه وسلّم]بِأَنَّهُ(يَفْرَحُ وَيَضْحَكُ)، وَأَنَّ(قُلُوبَ الْعِبَادِ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)-وَغَيْرِ ذَلِكَ...-.
* فَيُقَالُ لِلْمُتَأَوِّلِ:
- تَتَأَوَّلُ هَذَا –كُلَّهُ- عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ؟!
- أَمْ تُفَسِّرُ الْجَمِيعَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ؟!
- أَمْ تُفَرِّقُ بَيْنَ بَعْضِ ذَلِكَ وَبَعْضِهِ؟!
فَإِنْ تَأَوَّلْتَ الْجَمِيعَ، وَحَمَلْتَهُ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ: كَانَ ذَلِكَ عِنَادًا ظَاهِرًا، وَكُفْرًا صُرَاحًا، وَجَحْدًا لِرُبُوبِيَّتِهِ!
وَهَذَا مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ لِلْعَالَمِ صَانِعًا!!
فَإِنْ قُلْتَ: أُثْبِتُ لِلْعَالَمِ صَانِعًا، وَلَكِنْ؛ لَا أَصِفُهُ بِصِفَةٍ تَقَعُ عَلَى خَلْقِهِ، وَحَيْثُ وُصِفَ بِمَا يَقَعُ عَلَى الْمَخْلُوقِ: تَأَوَّلْتُهُ.
* قِيلَ لَهُ: فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتُ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ؛ هَلْ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ ثابتةٍ هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا، أَوْ لَا تَدُلُّ؟!
- فَإِنْ نَفَيْتَ دَلَالَتَهَا عَلَى مَعْنًى ثَابِتٍ: كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ التَّعْطِيلِ.
- وَإِنْ أَثْبَتَّ دَلَالَتَهَا عَلَى مَعانٍ هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا -ثَابِتٌ-، قِيلَ لَكَ:
فَمَا الَّذِي سَوَّغَ لَكَ تَأْوِيلَ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ؟!
وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا أَثْبَتَّهَا وَنَفَيْتَهَا مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، أَوِ الْعَقْلِ؟!
وَدَلَالَةُ النُّصُوصِ: أَنَّ(لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا)، وَ(عِلْمًا وَقُدْرَةً)، وَ(إِرَادَةً وَحَيَاةً)، وَ(كَلَامًا ): كَدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ لَهُ(مَحَبَّةً وَرَحْمَةً)، وَ(غَضَبًا وَرِضًا)، وَ(فَرَحًا وَضَحِكًا)، وَ(وَجْهًا وَيَدَيْنِ)؟!
فَدَلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ فَلِمَ نَفَيْتَ حَقِيقَةَ(رَحْمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ)، وَ(رِضَاهُ وَغَضَبِهِ)، وَ(فَرَحِهِ وَضَحِكِهِ)، وَأَوَّلْتَهَا بِنَفْسِ(الْإِرَادَةِ)؟!
* فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ إِثْبَاتَ (الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ) لَا يَسْتَلْزِمُ«تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا»، وَإِثْبَاتَ حَقَائِقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ«التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ»-فَإِنَّهَا لَا تُعْقَلُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ-؛ فَإِنَّ (الرَّحْمَةَ): رِقَّةٌ تَعْتَرِي طَبِيعَةَ الْحَيَوَانِ! وَ(الْمَحَبَّةَ): مَيْلُ النَّفْسِ لِجَلْبِ مَا يَنْفَعُهَا! وَ(الْغَضَبَ): غَلَيانُ دَمِ الْقَلْبِ-لِوُرُودِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ-!
* قِيلَ لَكَ: وَكَذَلِكَ (الْإِرَادَةُ)؛ هِيَ: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهَا، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهَا!!
...وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا أَثْبَتَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ: إِنَّمَا هِيَ أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِالْأَجْسَامِ -فِي الشَّاهِدِ-؛ فَإِنَّ (الْعِلْمَ): انْطِبَاعُ صُورَةِ الْمَعْلُومِ فِي نَفْسِ الْعَالِمِ، أَوْ: صِفَةٌ عَرَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِهِ.
وَكَذَلِكَ(السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالْحَيَاةُ): أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ؛ فَكَيْفَ لَزِمَ «التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ» مِنْ إِثْبَاتِ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِثْبَاتٍ هَذِهِ؟!
* فَإِنْ قُلْتَ: أَنَا أُثْبِتُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُ صِفَاتِنَا، وَلَا يُشابِهُهَا!
* قِيلَ لَكَ: فَهَلَّا أَثْبَتَّ الْجَمِيعَ(عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ!) ؟!
* فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا لَا يُعْقَلُ!
* قِيلَ لَكَ: فَكَيْفَ عَقَلْتَ(سَمْعًا، وَبَصَرًا، وَحَيَاةً، وَإِرَادَةً، وَمَشِيئَةً) - لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ-!؟
* فَإِنْ قُلْتَ: أَنَا أُفَرِّقُ بَيْنَ مَا أتَأَوَّلُ، وَبينَ مَا لَم أتَأَوَّلْ؛ بِأَنَّ: مَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى ثُبُوتِهِ يَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ- كَـ(الْعِلْمِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ)، وَمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ: يَجِبُ -أَوْ يَسُوغُ- تَأْوِيلُهُ؛ كَـ(الْوَجْهِ والْيَدِ، وَالضَّحِكِ، وَالْفَرَحِ، وَالْغَضَبِ، وَالرِّضَى)؛ فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ دَلَّ على (قُدْرةِ) الفاعلِ، وإحكامُهُ دَلَّ على (عِلمِه) ، والتخصيصُ دلَّ عَلَى (الْإِرَادَةِ).
فَيَمْتَنِعُ مُخَالَفَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ.
قِيلَ لَكَ: وَكَذَلِكَ(الْإِنْعَامُ، وَالْإِحْسَانُ، وَكَشْفُ الضُّرِّ، وَتَفْرِيجُ الْكُرُبَاتِ): دَلَّ عَلَى الرَّحْمَةِ كَدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى(الْإِرَادَةِ)-سَوَاءً-.
وَالتَّخْصِيصُ بِـ(الْكَرَامَةِ، وَالِاصْطِفَاءِ، وَالِاجتِباءِ)دَالٌّ عَلَى الْمَحَبَّةِ كَدَلَالَةِ مَا ذَكَرْتَ عَلَى(الْإِرَادَةِ).
وَ(الْإِهَانَةُ، وَالطَّرْدُ، وَالْإِبْعَادُ، وَالْحِرْمَانُ) دَالٌّ عَلَى(الْمَقْتِ وَالْبُغْضِ) كَدَلَالَةِ ضِدِّهِ عَلَى(الْحُبِّ والرِّضَى).
وَ(الْعُقُوبَةُ وَالْبَطْشُ وَالِانْتِقَامُ)دَالٌّ عَلَى الْغَضَبِ كَدَلَالَةِ ضِدِّهِ عَلَى الرِّضَى.
وَيُقالُ –ثَانِيًا-: هَبْ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ -الَّتِي نَفَيْتَهَا-؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِيهَا، وَالسَّمْعُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ.
بَلِ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْظَمُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى مُجَرَّدِ الْعَقْلِ، فَمَا الَّذِي يُسَوِّغُ لَكَ نَفْيَ مَدْلُولِهِ؟!
وَيُقَالُ [لك]–ثَالِثًا-: إِنْ كَانَ ظَاهِرُ النُّصُوصِ يَقْتَضِي«تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا»؛ فَهُوَ يَقْتَضِيهِ فِي الْجَمِيعِ: فَأَوِّلِ الْجَمِيعَ!!
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ تَأْوِيلُ شَيْءٍ مِنْهُ!
وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ بَعْضَهَا يَقْتَضِيهِ، وَبَعْضَهَا لَا يَقْتَضِيهِ: طُولِبْتَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؟!
وَلَمَّا تَفَطَّنَ بَعْضُهُمْ لِتَعَذُّرِ الْفَرْقِ، قَالَ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ -كَالصِّفَاتِ السَّبعِ-: لَا يُتَأَوَّلُ، وَمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ؛ فَإِنَّهُ يُتَأَوَّلُ!
وَهَذَا- كَمَا تَرَاهُ- مِنْ أَفْسَدِ الْفُرُوقِ؛ فَإِنَّ مَضْمُونَهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَثْبَتَ مَا يَدُلُّ على«التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ»!!
وَهَذَا قَدْحٌ فِي الْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى بَاطِلٍ.
ثُمَّ يُقَالُ: إِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَظَاهِرُهَا يَقْتَضِي«التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ»: بَطَلَ نَفْيُكُمْ لِذَلِكَ!
وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهَا: بَطَلَ التَّفْرِيقُ بِهِ!
ثُمَّ يُقَالُ: خُصُومُكُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ :لَمْ تُجْمِعْ مَعكم عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ!
فَإِنْ قُلْتُمْ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَهُمْ.
قِيلَ: صَدَقْتُمْ –وَاللَّهِ-، وَالَّذِينَ أَجْمَعُوا –قَبْلَهُمْ- عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ: أَجْمَعُوا عَلَى إِثْبَاتِ سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَلَمْ يَخُصُّوهَا بِسَبْعٍ!
بَلْ تَخْصِيصُهَا بِسَبْعِ: خِلَافُ قَوْلِ السَّلَفِ، وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ:
فَالنَّاسُ كَانُوا طَائِفَتَيْنِ: سَلَفِيَّةٍ، وَجَهْمِيَّةٍ؛ فَحَدَثَتِ الطَّائِفَةُ (السَّبْعِيَّةُ)، وَاشْتَقَّتْ قَوْلًا بَيْنَ قَوْلَيْنِ؛ فَلَا لِلسَّلَفِ اتَّبَعُوا! وَلَا مَعَ الْجَهْمِيَّةِ بَقُوا!
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُهُ جَوَارِحَ وَأَبْعَاضًا- كَـ (الْعِلْمِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْكَلَامِ)-: لَا يُتَأَوَّلُ، وَمَا كَانَ ظَاهِرُهُ جَوَارِحَ وَأَبْعَاضًا كَـ-(الْوَجْهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْقَدَمِ)؛ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ؛ لِاسْتِلْزَامِ إِثْبَاتِهِ «التَّرْكِيبَ وَالتَّجْسِيمَ»!!
قَالَ الْمُثْبِتُونَ: جَوَابُنَا لَكُمْ هُوَ عَيْنُ الَّذِي تُجِيبُونَ بِهِ خُصُومَكُمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ -نُفَاةِ الصِّفَاتِ-:
فإنَّهُمْ قَالُوا لَكُمْ: لَوْ قَامَ بِهِ –سُبْحَانَهُ- صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ –كَـ(السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْحَيَاةِ): لَكَانَ مَحَلًّا لِلْأَعْرَاضِ، وَلَزِمَ «التَّرْكِيبُ وَالتَّجْسِيمُ وَالِانْقِسَامُ»- كَمَا قُلْتُمْ: لَوْ كَانَ لَهُ (وَجْهٌ، وَيَدٌ، وَإِصْبَعٌ): لَزِمَ «التَّرْكِيبُ وَالِانْقِسَامُ»-!
وَحِينَئِذٍ؛ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ لِهَؤُلَاءِ: نُجِيبُكُمْ بِهِ!!
فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ نُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَكُونُ أَعْرَاضًا، وَلَا نُسَمِّيهَا: أَعْرَاضًا، فَلَا يَسْتَلْزِمُ «تَرْكِيبًا وَلَا تَجْسِيمًا»!
قِيلَ لَكُمْ: وَنَحْنُ نُثْبِتُ الصِّفَاتِ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ- وَنَفَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ عَنْهُ- عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَبْعَاضَ، وَالْجَوَارِحَ، وَلَا يُسَمَّى الْمُتَّصِفُ بِهَا :«مُرَكَّبًا»! وَلَا:«جِسْمًا»! وَلَا:«مُنْقَسِمًا»!
فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَه لَا يُعْقَلُ مِنْهَا إِلَّا الْأَجْزَاءُ، وَالْأَبْعَاضُ!
قُلْنَا لَكُمْ: وَتِلْكَ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا إِلَّا الْأَعْرَاضُ!!
فَإِنْ قُلْتُمْ: الْعَرَضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَصِفَاتُ الرَّبِّ - بَاقِيَةٌ –دَائِمًةٌ-، أَبَدِيَّةٌ؛ فَلَيْسَتْ أَعْرَاضًا!
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ الْأَبْعَاضُ؛ هِيَ: مَا جَازَ مُفَارَقَتُهَا وَانْفِصَالُهَا، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الرَّبِّ –تَعَالَى- مُحَالٌ؛ فَلَيْسَتْ أَبْعَاضًا! وَلَا جَوَارِحَ!
فَمُفَارَقَةُ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا: مُسْتَحِيلٌ –مُطْلَقًا- فِي النَّوْعَيْنِ، وَالْمَخْلُوقُ: يَجُوزُ أَنْ تُفَارِقَهُ أَبْعَاضُهُ، وَأَعْرَاضُهُ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنْ كَانَ (الْوَجْهُ) عَيْنَ (الْيَدِ)، وَعَيْنَ (السَّاقِ)، وَ(الْإِصْبَعِ)؛ فَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ: يَلْزَمُ «التَّمَيُّزُ»، وَيَلْزَمُ «التَّرْكِيبُ»!
قُلْنَا لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ (السَّمْعُ) هُوَ عَيْنَ (الْبَصَرِ)، وَهُمَا نَفْسُ (الْعِلْمِ)، وَهِيَ نَفْسُ (الْحَيَاةِ) وَ(الْقُدْرَةِ)؛ فَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ تَمَيَّزَت: لَزِمَ «التَّرْكِيبُ»!
فَمَا هُوَ جَوَابٌ لكُمْ؛ فَالْجَوَابُ مُشْتَرَكٌ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ نَعْقِلُ صِفَاتٍ -لَيْسَتْ أَعْرَاضًا تَقُومُ بِغَيْرِ جِسْمٍ- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الشَّاهِدِ نَظِيرٌ-.
[قلنا:] وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ -فِي الْجُمْلَةِ-، وَلَكِنْ؛ فَرْقٌ غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ «التَّجْسِيمَ وَالتَّرْكِيبَ»، وَالْآخَرَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ.
وَلَمَّا أَخَذَ هَذَا الْإِلْزَامُ بِخِنَاقِ الْجَهْمِيَّةِ، قَالُوا: الْبَابُ –كُلُّهُ- عِنْدَنَا- وَاحِدٌ، وَنَحْنُ نَنْفِي الْجَمِيعَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أُمورٍ ثلاثةٍ:
* إِمَّا: هَذَا النَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ.
* وَإِمَّا: أَنْ تَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ -صلى الله عليه وسلم-، وَتَتَّبِعُوا فِي ذَلِكَ سَبِيلَ السَّلَفِ- الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِهَذَا الشَّأْنِ- نَفْيًا وَإِثْبَاتًا-، وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَتَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ-.
فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمَفْهُومَةَ -مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- لَا تُرَدُّ بِالشُّبَهَاتِ: فَيَكُونُ رَدُّهَا مِنْ بَابِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُتْرَكُ تَدَبُّرُهَا وَمَعْرِفَتُهَا: فَيَكُونُ ذَلِكَ مُشَابَهَةً لِلَّذِينِ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ!
بَلْ هِيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ، دَالَّةٌ عَلَى أَشْرَفِ الْمَعَانِي، وَأَجَلِّهَا، قَائِمَةٌ حَقَائِقُهَا فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ- إِثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ، وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ-؛ كَمَا قَامتْ حَقَائِقُ سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي قُلُوبِهِمْ –كَذَلِكَ-.
فَكَانَ الْبَابُ –عِنْدَهُمْ- بَابًا وَاحِدًا، وَعَلِمُوا أَنَّ الصِّفَاتِ حُكْمُهَا حُكْمُ الذَّاتِ؛، فَكَمَا أنّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ؛ فَكَذَا صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «التَّشْبِيهُ أَنْ تَقُولَ:(يَدٌ )كَيَدٍ، أَوْ:(وَجْهٌ )كَوَجْهٍ؛ فَأَمَّا إِثْبَاتُ(يَدٍ) لَيْسَتْ كَالْأَيْدِي، وَ(وَجْهٍ) لَيْسَ كَالْوُجُوهِ؛ فَهُوَ كإِثْبَاتِ(ذَاتٍ) لَيْسَتْ كَالذَّوَاتِ، وَ(حَيَاةٍ) لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنَ الْحَيَاةِ، وَ(سَمْعٍ وَبَصَرٍ) لَيْسَ كَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ.
وَلَيْسَ إِلَّا: هَذَا الْمَسْلَكُ! أوَ مَسْلَكُ التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ!!
* أوَ التَّنَاقُضِ- الَّذِي لَا يَثْبُتُ لِصَاحِبِهِ قَدَمٌ فِي النَّفْيِ، وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ-!
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ».
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ:
أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَتَأَوَّلُ كُلَّ مَا يُخَالِفُ نِحْلَتَهَا وَأَصْلَهَا؛ فَالْعِيَارُ عِنْدَهُمْ -فِيمَا يُتَأَوَّلُ وَمَا لَا يُتَأَوَّلُ- هو الْمَذْهَبُ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ [الطائفةُ]؛ مَا وَافَقَهَا: أَقَرُّوهُ وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهُ، وَمَا خَالَفَهَا: تَأَوَّلُوهُ».

رابط دائم رابط التغريدة 223
10:01 AM - 28/04/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. إشراقة غسق
    🌞إشراقة غسق 🌞 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسعد الله صباحكم لهذا اليوم الاحد 1440/3/1 0ﮪ 🌷🌻🌷🌻🌷 خير مانبدأ به آيات عطره cdn.top4top.net/d_b2e36288dd6.mp3 🌷🌻🌷🌻🌷 اذكار الصباح حصن منيع وامان يغش
  2. نشرة ٱخبارالطب والصحة والتغذية(436)​​
    ما لا تعرفه عن الكستناء! https://v.sa24.news/2018/11/1458.html 5 أعراض مبكرة تمثل جرس إنذار لأورام الدماغ السرطانية https://twasul.info/1269784/ لا تتجاهل اضطراب حركة جفن العين.. لهذا السبب http
  3. 🌃 *همسة الوتر*🌃 ﴿ أمّن هو قانتٌ آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر ا
  4. ما هو تاريخ يوم الصحة العالمي لعام ١٤٤٠ هجري
    ما هو تاريخ يوم الصحة العالمي لعام ١٤٤٠ هجري انقر على الرابط التالي عزيزي الزائر لتعرف إجابه السؤال https://www.almseid.org/14844/ما-هو-تاريخ-يوم-الصحة-العالمي-لعام-١٤٤٠-هجري...
  5. بحث عن اعلام سابقين في احد المجالات واختيار احدهم للكتابه عنه بايجاز
    بحث عن اعلام سابقين في احد المجالات واختيار احدهم للكتابه عنه بايجاز مختصر لمشاهدة الحل كامل اضغط على الرابط التالي https://www.ejabty.com/81658/%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B3%D8%A7%D8
  6. اذا تغير حجم المادة ولم تتغير اي خاصية اخرى لها فهل يعد هذا تغيرا فيزيائيا
    اذا تغير حجم المادة ولم تتغير اي خاصية اخرى لها فهل يعد هذا تغيرا فيزيائيا https://www.adeimni.com/6212/%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AF%D
  7. روى الإمامانِ الجليلانِ البُخاريُّ ومسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-ر
  8. دولة وقعت فيها احدى اهم اتفاقيات الاتحاد الاوروبي شنغن من 9 حروف
    دولة وقعت فيها احدى اهم اتفاقيات الاتحاد الاوروبي شنغن من 9 حروف https://www.dhakirti.com/9717/%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%AA-%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D9%89-%D8%
  9. من صاحب فكرة تأليف صحيح البخاري
    بسم الله الرحمن الرحيم ▬▬▬▬▬▬▬▬●ஜ۩۞۩ஜ●▬▬▬▬▬▬▬▬● (تنبيه وإرشاد): هل ألف الإمام البخاري رحمه الله كتابه الصحيح تلبية لرغبة شيخه إسحاق بن راهويه ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه "فتح الباري" (ص 8 -
  10. ‫عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الك

بحث