الوقت المتوقع للقراءة: 23 دقائق و 34 ثانية

التَّفْصيلُ الفِقهيُّ المَليح
في عَدَدِ ركعاتِ صَلاةِ التَّراويح



الحمدُ لله-وحدَه-، والصلاةُ والسلامُ على مَن لا نبيَّ بَعدَه.
أمّا بعدُ:
فتكميلاً للبحثِ العلميِّ المختصَرِ الذي نَشرتُه-أمسِ-حول موضوع (عَدَدِ ركعاتِ صَلاةِ التَّراويح)-وما يَدورُ حولَه-هذه الأيامَ-مِن كثيرِ قولٍ وكلام، ونَقْدٍ ومَلام-مِنه ما هو بعلمٍ، وأكثرُهُ ممّا هو بضدّه!-؛ فأقولُ-وبحولِه-سبحانه-أَصُولُ-:

أورد محدّثُ البلاد الهِندية العلامةُ الشيخُ عُبَيد الله الرحمانيّ المُباركفوري-رحمه الله-تعالى- في كتابِه «مِرعاة المفاتيح شَرْح (مِشكاة المَصابيح)»(4/321-فما بعد) الحديثَ الذي رواهُ البُخاريُّ (1147)، ومسلمٌ (738) عن أبي سلَمةَ بنِ عبد الرحمن، أنّه سأل عائشةَ:كيف كان صلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ؟
فقالت: ما كان يزيدُ في رمضانَ -ولا غيرِه- على إحدى عشرةَ ركعةً؛ يصلّي أربعاً، فلا تسألْ عن حُسنِهنّ وطولِهنّ، ثم يصلّي أربعاً، فلا تسألْ عن حُسنِهنّ وطولِهنّ، ثم يصلّي ثلاثاً..
...ثم قال-رحمةُ الله عليه-ما ملخَّصُهُ-وهذا البحثُ-كلُّه-مِن كلامِه ونُقولِه-لا غيرَ-:

(...فهذا الحديثُ نَصٌّ في أنّه - صلى الله عليه وسلم - إنما صلّى التراويحَ في رمضانَ ثمانَ ركعات –فقط-، ولم يُصَلِّ بأكثرَ منها.
قال في «العَرْف الشذي[شرح سنن التِّرمذيّ]» (ص201)[للشيخ محمد يوسُف البَنّوريّ] : هذه الروايةُ رواية «الصحيحين».
وفي «الصحاح»: صلاة تراويحهِ -عليه السلام- ثمانَ ركعات.
وفي «السنن الكبرى»-وغيره- بسند ضعيف- من جانب أبي شَيبة؛ فإنه ضعيفٌ –اتفاقاً-: عشرون ركعة.
وقال في [«العَرْف الشذي»] (ص329، 330): ثم إّن حديث (يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهن وطُولهن): فيه تصريحٌ أنه حالَ رمضان، فإنّ السائلَ سأل عن حالِ رمضان –وغيره- كما عند الترمذي ومسلم-.
ولا مَناص مِن تسليمِ أنّ تراويحَه -عليه السلام- كانت ثمانيَ ركعاتٍ....
....ثم؛ مأخوذُ الأئمة الأربعة -مِن عشرين ركعةً- هو عملُ الفاروق الأعظم.
وأمّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فصحَّ عنه: ثمانُ ركعات.
وأمّا عشرون ركعةً؛ فهو عنه -عليه السلام- بسندٍ ضعيف، وعلى ضعفه اتفاقٌ- انتهى-.
فإن قلتَ: قد ثبت في «الصحيح» من حديث عائشةَ: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل العشرُ الأواخرُ يجتهد ما لا يجتهدُ في غيره! وفي «الصحيح»-أيضاً- مِن حديثها-: كان إذا دخل العشرُ أحيى الليلَ، وأيقظ أهلَه، وشدَّ مئزَرَه:
وهذا يدلُّ على أنه كان يزيدُ في العشرِ الأواخرِ على عادتِه-وهو مخالفٌ لحديثِ أبي سلَمة عن عائشةَ-المذكور-!؟
قلتُ: المرادُ بـ(الاجتهاد): تطويلُ الركعاتِ، لا الزيادةُ في العدد.
قال العَيني: إنّ الزيادةَ -في العشر الأواخر- تُحمَل على التطويل، دون الزيادةِ في العدَد- انتهى-.
وأمّا ما روى ابنُ أبي شَيبة في «مُصنَّفه»، والطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، و«البيهقي» (ج2 ص496) عن ابن عباس: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم – (كان يصلّي في رمضانَ عشرين ركعةً سوى الوتر)؛ فهو ضعيفٌ –جداً-، لا يصلُحُ للاستدلال، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار!
فإنّ مدارَه على أبي شَيبةَ إبراهيمَ بنِ عثمان، وهو متروكُ الحديث- كما في «التقريب»-.
قال الزيلعي في «نصب الراية» (ج2 ص153) : هو معلولٌ بأبي شَيبةَ إبراهيمَ بنِ عثمان، وهو متفقٌ على ضعفه، وليَّنه ابنُ عدِيّ في «الكامل».
ثم إنه مخالفٌ للحديث الصحيح عن أبي سلَمةَ بنِ عبد الرحمن، أنه سأل عائشةَ: كيف كانت صلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان؟!
قالت: ما كان يزيدُ -في رمضانَ، ولا في غيرِه- على إحدى عشرةَ ركعةً-...-الحديث-انتهى كلامُ الزيلعي-.
وقال ابنُ الهُمَام في «فتح القدير»-بعد ذِكرِ هذا الحديثِ-:هو ضعيفٌ بأبي شَيبةَ إبراهيمَ بنِ عثمان: متفقٌ على ضعفِه، مع مخالفتِه للصحيح. وقال العيني في «[عُمدة القاري]شرح البخاري» (ج11 ص128)-بعد ذِكرِ هذا الحديث-: وأبو شَيبةَ هو إبراهيمُ بنُ عثمان العَبْسيُّ الكوفيُّ، قاضي واسط، جدُّ أبي بكر أبي شَيبةَ: كذّبه شُعبةُ، وضعّفه أحمدُ، وابن مَعين، والبُخاري، والنَّسائي-وغيرُهم-.
وأورد له ابنُ عدِي هذا الحديثَ في «الكامل» في مَناكيره- انتهى-. وقال البيهقي (ج2 ص496) -بعد روايته-: تفرّد به أبو شَيبةَ إبراهيمُ بن عثمان العَبْسيّ الكوفيّ، وهو ضعيفٌ-انتهى-.
وقال النِّيمَوي في «تعليق آثار السنن» (ج2 ص56) : وقد أخرجه عبدُ بنُ حُميد الكَشِّي في «مسنده»، والبَغَوي في «معجمه»، والبيهقي في «سننه»: كلُّهم مِن طريق أبي شَيبةَ إبراهيمَ بنِ عثمان، وهو ضعيفٌ.
ثم نقل كلامَ البيهقي –المذكورَ-، وجروحَ أئمّة الجرح والتعديل-عن «التهذيب»، و«الميزان»، و«التقريب»-.
وقال الزُّرْقاني في «شرح الموطأ»: حديثُ ابن عباس في عشرين ركعةً: حديثٌ ضعيفٌ.
وهذا –كلُّه- يدلُّ على أنّ حديثَ ابنِ عباس –هذا- ضعيفٌ –جداً- عند جميعِ العُلماء: الحنفية، والشافعية، والمالكية-وغيرهم-.
ومع ذلك؛ قد تفوّه بعضُ الحنفيّةِ -في هذا العصر- بأنّ روايةَ ابنِ عباس -إذ هي مؤيَّدةٌ بآثارِ الصحابةِ- أَوْلى مِن رواية جابرٍ-المتقدمة-وإنْ كان فيها بعضُ الضعف؛ فإنّ جمهورَ الصحابة متفِقةٌ على صلاة التراويح بعشرين ركعةً-انتهى-!
قلتُ: قد تقدّم أنّ حديثَ ابنِ عباس ضعيفٌ-جداً-، قد أطبق الأئمةُ على ضعفِه.
ومع هذا؛ فهو مخالفٌ لحديثِ عائشة-المتفَقِ عليه-؛ بخلافِ حديثِ جابرٍ؛ فإنه صحيحٌ، أو حسنٌ، ولم يضعِّفه أحدٌ ممّن يُعتمَد عليه.
وله شاهدٌ صحيحٌ، وهو: حديثُ عائشةَ؛ فهو أولى بالقَبول، وأحقُّ بالعمل.
وأمّا دعوى تأيُّد حديثِ ابن عباس بعمل جمهورِ الصحابةِ؛ فهي مردودةٌ بما سيأتي مِن حديث السائب بن يزيدَ، قال: أمر عمرُ أُبَيَّ بن كعب، وتميماً الدَّارِيَّ أنْ يقوما للناس بإحدى عشرةَ ركعةً، وبما روى سعيدُ بنُ منصور في «سننه» عن السائب بن يزيدَ، قال: كنّا نقومُ -في زمن عمر بن الخطاب- بإحدى عشرةَ ركعةً.
قال السُّيُوطي: هذا الأثرُ إسنادُه في غاية الصحة.
هذا وقد حاول بعضُهم إثباتَ صحّةِ حديثِ ابنِ عبّاسٍ؛ حيث قال-في «تعليقِه على (المشكاة)»-: حديثُ ابنِ عباسِ في عشرين ركعةً- الذي ضعّفه أئمةُ الحديثِ- هو صحيحٌ-عندي-؛ لِمَا ذكر السُّيُوطيُّ في «التدريب»: قال بعضهم: يُحكَم للحديث بالصحةِ إذا تلقّاه الناسُ بالقَبول -وإنْ لم يكن له إسنادٌ صحيحٌ-، يعني: فحديثُ ابنِ عباس –هذا- حقيقٌ بأنْ يُصَحَّحَ؛ لِمَا تلقَّاه الخلفاء الراشدون، والسابقون الأوَّلون مِن المهاجرين والأنصار، والذي استقرَّ عليه الأمرُ في سائر البلدان والأمصار- انتهى كلامه -ملخَّصاً مختصَراً-!!
قلتُ: التصدِّي لإثبات صحّةِ حديثِ ابنِ عباس -المتفَقِ على ضعفِه- بمثل هذا الكلام الواهي عصبيةٌ باردةٌ، لا يَفعلُ هذا إلا صاحبُ التقليدِ الأجوفِ، والعصبيةِ العمياءِ؛ لأنَّ الصحيحَ الثابتَ عن عمر، هو: جمعُهُ الناسَ على إحدى عشرةَ ركعةً-لا عشرين-كما تقدم-وسيأتي-أيضاً-.
ولو سلَّمْنا أنّ طائفةً من الصحابة والتابعين كانوا يُصلُّون عشرين ركعةً؛ فليس –ههنا- أثرٌ للتلقّي الذي جعله بعضُ العلماء مُوجِباً لقَبول الخبرِ غيرِ الصحيحِ؛ لأنّه لا دليلَ على أنّ حديثَ ابنِ عباس –هذا- قد بلغ هؤلاء الصحابةَ، ولا على أنّهم تعرَّضوا للاحتجاجِ به، واستشهدوا به -عند العمل-، أو استأنسوا به.
وما لم يثبت ذلك لا تصحُّ دعوى وجودِ التلقّي –المصطلَح- الذي يكونُ فيه غِنىً مِن الإسناد.
على أنه قال السُّيُوطيُّ في «التدريب» (ص115) : ممّا لا يَدُلُّ على صحّةِ الحديثِ -أيضاً -كما ذكره أهلُ الأصول-: موافقةُ الإجماعِ له -على الأصحِّ- لجوازِ أن يكونَ المستنَدُ غيرَه. وقيل:( يَدُلُّ)- انتهى-. والحاصلُ: أنّ الثابتَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قيامِ رمضانَ- في الجماعةِ- هو إحدى عشرةَ ركعةً-مع الوتر-لا غير-.
فهي السُّنَّةُ، لا العشرون.
وللهِ دَرُّ ابنِ الهُمَام؛ حيث اعترف بضعفِ حديثِ ابنِ عباس، ومخالفتِه لحديثِ عائشةَ-الصحيحِ-، ولم يتمحَّل لتصحيحِ حديثِ ابنِ عباس، وصرَّح بأن العشرين ليست سنةَ النبي- صلى الله عليه وسلم -.
قلت: ويدلُّ –أيضاً- على كون التراويح ثمانَ ركعاتٍ: ما رُوي عن جابر بن عبد الله، قال: جاء أُبَيُّ بن كعب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إِنه كان منِّي –الليلةَ- شيءُ-يعني: في رمضان-، قال: «وما ذاك -يا أبيّ-؟!»، قال: نِسوةٌ في داري، قُلنَ: إنّا لا نقرأُ القرآنَ، فنصلّي بصلاتك، قال: فصلّيتُ بهنّ ثمانَ ركعاتٍ، وأوترتُ؛ فكانت سُنّةَ الرضا، ولم يقل شيئاً-رواه أبو يعلى، والطبراني –بنحوه- في «الأوسط».
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»- (ج2 ص74) : إسناده حسن- انتهى.
قلتُ: وأخرجه-أيضاً- محمد بن نَصر المَرْوزي في «قيام الليل»، وعبدُ الله بن أحمد في «المسند» (ج5 ص115)-وفي إسناده مَن لم يُسَمّ-.
وسيأتي مزيدُ الكلامِ في هذه المسألةِ).

****

ثم قال –رحمه الله- في (4/329-فما بعد)-بعد إيرادِه حديثَ السائبِ بن يزيدَ، قال: أَمر عمرُ أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وتميماً الدَّارِيَّ أنْ يقوما للناسِ بإحدى عشرةَ ركعةً-:
(هذا نَصٌّ في أنّ الذي جَمعَ عليه الناسَ عمرُ -في قيامِ رمضانَ-، وأَمَرَهم بإقامتِه هو (إحدى عشرةَ ركعةً مع الوتر)، وأنّ الصحابةَ والتابعين -على عهدِه- كانوا يصلّون التراويحَ إحدى عشرةَ ركعةً-موافقاً لِمَا تقدّم مِن حديث عائشة: «ما كان يزيدُ في رمضان، ولا في غيرِ رمضان على إحدى عشرةَ ركعةً»-، وموافقاً لِمَا تقدّم مِن حديث جابرٍ: صلّى بنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في شهرِ رمضانَ ثمانَ ركعاتٍ.
فإنْ قلتَ: قال الحافظُ في «الفتح»- بعد ذِكرِ أثرِ عمرَ –هذا-: ورواه عبدُ الرزاق مِن وجه آخر-أي: مِن طريقِ داودَ بنِ قيس-عن محمد بن يوسُف، فقال: إحدى وعشرين...- انتهى-.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: روى غيرُ مالكٍ -في هذا-:(إحدى وعشرون)، وهو الصحيحُ، ولا أعلمُ أحداً قال فيه:(إحدى عشرة) إلا مالكاً، ويُحتمَل أن يكونَ ذلك –أولاً-، ثم خَفّفَ عنهم طولَ القيام، ونَقَلهم إلى إحدى وعشرين، إلا أنّ الأغلبَ –عندي- أنّ قولَه: (إحدى عشرة) وَهَمٌ- انتهى-.
قلتُ: قال شيخُنا [أبو العُلى المباركفوريّ] في «[تُحفة الأحوذيّ]شرح الترمذي»: قولُ ابنِ عبدِ البَرّ: (إنّ الأغلبَ –عندي- أنّ قولَه: «إحدى عشرةَ» وَهَمٌ) باطلٌ –جداً-.
قال الزُّرْقاني في «شرح الموطأ»- بعد ذِكرِ قولِ ابنِ عبدِ البَرّ-هذا- ما لفظُه: (ولا وَهَم)، وقولُه: (إن مالكاً انفرد به): ليس كما قال؛ فقد رواه سعيدُ بن منصور -مِن وجهٍ آخَرَ- عن محمدِ بن يوسُف، فقال:( إحدى عشرةَ)- كما قال مالكٌ- انتهى كلامُ الزُّرْقاني-.
وقال النِّيمَوي في «تعليق آثار السنن» (ج2 ص52) : ما قاله ابنُ عبدِ البَرِّ مِن وَهَم مالكٍ؛ فغَلَطٌ-جداً-؛ لأنّ مالكاً قد تابعه عبدُ العزيز بن محمدٍ: عند سعيدِ بنِ منصور في «سُننه»، ويحيى بنُ سعيد القَطّان: عند أبي بكر بنِ أبي شيبة في «مُصنَّفه»: كلاهما عن محمد بن يوسُف، وقالا: (إحدى عشرةَ ركعةً)- كما رواه مالكٌ عن محمد بن يوسُف.
وأخرج محمد بن نصر المَرْوَزي في «قيام الليل» مِن طريق محمد بن إسحاقَ: حدّثني محمد بن يوسُف، عن جدِّه السائبِ بن يزيدَ، قال: كنّا نصلّي في زمنِ عمرَ -في رمضانَ- ثلاثَ عشرةَ ركعةً- انتهى-.
قال النِّيمَوي: هذا قريبٌ ممّا رواه مالكٌ عن محمدِ بنِ يوسُف-أي: مع الركعتين بعد العشاء- انتهى كلامُ النِّيمَوي -.
قال الشيخُ: فلمّا ثبَت أنّ الإمامَ مالكاً لم ينفردْ بقولِه:( إحدى عشرةَ)؛ بل تابعه عليه عبدُ العزيز بن محمد-وهو ثقةٌ-، ويحيى بنُ سعيد القَطّان إمامُ الجرح والتعديل-وهو ثقةٌ، متقنٌ، حافظٌ، إمامٌ- على ما قال الحافظُ في «التقريب»-: ظهر لك -حَقَّ الظهورِ- أنّ قولَ ابنِ عبدِ البَرِّ: (إنّ الأغلبَ أنّ قولَه: «إحدى عشرةَ» وَهَمٌ): ليس بصحيح.
بل لو تدبَّرتَ: ظَهَرَ لك أنّ الأمرَ على خلافِ ما قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أن الأغلبَ أنّ قولَ غيرِ مالكٍ -في هذا الأثرِ-:( إحدى وعشرون)- كما في رواية عبد الرزاق-: وَهَمٌ؛ فإنه قد انفرد هو بإخراجِ هذا الأثرِ بهذا الللفظِ! ولم يُخرِجْه –به- أحدٌ غيرُه -فيما أعلمُ-.
وعبدُ الرزّاق-وإن كان (ثقةً حافظاً)- لكنّه قد عَمِيَ في آخرِ عمرِه، فتغيَّر-كما صرّح به الحافظُ في «التقريب»-.
وأمّا الإمامُ مالكٌ؛ فقال الحافظُ في «التقريب»: (إمام دار الهِجرة، رأسُ المُتْقِنين، وكبيرُ المتثبِّتين)؛ حتى قال البُخاري: أصحُّ الأسانيدِ –كلِّها-: مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمر- انتهى-.
ومع هذا؛ لم ينفردْ هو بإخراجِ هذا الأثرِ بلفظِ: (إحدى عشرةَ)؛ بل أخرجه –أيضاً- بهذا اللفظ-: سعيدُ بنُ منصور، وابنُ أبي شيبة-كما عرفتَ-.
فالحاصلُ: أنَّ لفظَ: (إحدى عشرةَ)- في أثرِ عُمرَ بنِ الخَطَّاب- المذكورِ- صحيحٌ، ثابتٌ، محفوظٌ، ولفظُ: (إحدى وعشرين) -في هذا الأثر- غيرُ محفوظٍ، والأغلبُ أنَّه وَهَمٌ- والله- تعالى- أعلمُ- انتهى كلامُ الشيخِ-.
فإنْ قلتَ: قال صاحبُ «الأَوجَزِ»: الظاهرُ –عندي- ما رجَّحَه ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لأنَّ جُلَّ الرِّواياتِ نَصٌّ في أنَّها كانت (عشرين ركعة)، لكنْ؛ الوَهَمُ – عندي- فيه-: عن محمد بن يوسُف؛ لأنَّ نسبَةَ الوَهَم إلى الإمامِ أبعدُ مِن النِّسبة إليه.
ويؤيِّدُهُ: روايةُ سعيدِ بنِ منصور.
وقد روى يزيدُ بن خَصِيفَةَ، عن السائبِ بن يزيدَ: أنَّهم كانوا يقومونَ- في عهدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابَ- بعشرين ركعة- انتهى-.
قلتُ: كلامُ صاحبِ «الأوجز» باطلٌ –جِدًّا-؛ لأنَّه لم يَثبت الأمرُ بعشرين -عن عُمَر- بسندٍ صحيحٍ خالٍ عن الكلام.
والآثارُ التي تُذْكَرُ -في ذلك- لا يخلو واحدٌ منها عن مقالٍ؛ فإنَّها إمَّا مراسيلُ مُنْقَطِعةٌ، أو مَوْصولةٌ ضَعيفَةٌ- كما حقَّقَه شيخُنا في «شرح الترمذي»-؛ فكيف تكونُ هي دليلاً على كونِ روايةِ (إحدى عشرةَ)- الصَّحيحةِ- وَهَمًا؟!
وأمَّا نسبةُ الوَهَمِ إلى محمد بنِ يوسُف؛ فهي كنسبةِ الوَهَم إلى الإمامِ مالكٍ: مِمَّا لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لكونِها مجرَّدَ ادِّعاءٍ!
وأمَّا روايةُ يزيدَ بنِ خَصِيفةَ، عن السائب بن يزيدَ: فهي عند البَيْهَقيِّ مِن وَجْهَين: في أحدِهما: أبوعثمان عمرو بن عبد الله البَصْريُّ، وفي الآخَرِ: أبو عبدالله الحُسين بن فَنْجَوَيْهِ الدِّينوَريّ ! ولم أقف على ترجمتِهما، ولم يُعرَف حالُهما وأنهما ثقتانِ قابلانِ للاحتجاج، أم لا !).
****

ثُمَّ قال-رحمه الله-تعالى- في (4/331) -:
(واعلَمْ أنَّهم اختلفوا في المُختارِ مِن عددِ الركعاتِ التي يقومُ بها الناسُ: قال العَينيُّ في «شرح البخاري» (ج11 ص126): قد اختلف العلماءُ في العددِ المستحبِّ- في قيامِ رمضانَ- على أقوالٍ كثيرةٍ:
* فقيل: إحدى وأربعون، قال التِّرمذي: رأى بعضُهم أن يصلِّي إحدى وأربعين ركعةً مع الوتر، وهو قولُ أهلِ المدينة، والعملُ على هذا عندهم- بالمدينة-، قال شيخُنا- يعني: العراقي-: وهو أكثرُ ما قيل فيه.
قال العينيُّ: ذكر ابنُ عبدِ البَرِّ في «الاستذكار» عن الأسود بن يزيدَ: كان يُصلِّي أربعين ركعةً، ويوتر بسبعٍ- هكذا ذكره-،ولم يقل: إنَّ الوترَ من الأربعين.
* وقيل: ثمانٍ وثلاثون، رواه محمد بنُ نصر من طريق ابن أيمن عن مالكٍ، قال: يُسْتَحَبُّ أن يقومَ الناسُ في رمضان بثمانٍ وثلاثينَ ركعةً ، ثم يُسلِّمَ الإمامُ والناسُ ، ثم يوترَ بهم بواحدةٍ، قال: وهذا العملُ بالمدينة- قبل الحَرَّةِ- منذ بضعٍ ومائةِ سنةٍ إلى اليوم.
* وقيل: ستٌّ وثلاثون، وهو الذي عليه عملُ أهل المدينة.
وروى ابنُ وهب، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عمر يحدِّثُ عن نافع، قال: لم أُدرك الناسَ إلا وهم يُصَلُّون تسعاً وثلاثين ركعةً، ويوترون منها بثلاثٍ.
* وقيل: أربعٌ وثلاثون -على ما حُكِيَ عن زُرارة بن أَوْفى-: أنَّه كذلك كان يصلِّي بهم في العشرِ الأخيرِ.
* وقيل: ثمانٍ وعشرون، وهو المرويُّ عن زُرارة بنِ أَوْفى في العِشرين الأَوَّلِين من الشهر، وكان سعيدُ بنُ جُبَير يفعُله في العَشْر الأخِير.
* وقيل: أربعٌ وعشرون، وهو مرويٌّ عن سعيد بن جُبَير.
* وقيل: عشرون، وحكاه التِّرمذيُّ عن أكثرِ أهلِ العلم؛ فإنَّه مرويٌّ عن عمرَ، وعلي- وغيرِهما من الصحابة-، وهو قولُ أصحابِنا الحنفيَّة.
* وقيل: إحدى عشرةَ ركعةً، وهو اختيارُ مالكٍ لنفسِه، واختاره ابنُ العَرَبيّ- انتهى كلام العيني-.
وقال السُّيوطي في رسالته «المَصابيح في صلاة التراويح»: قال الجُورِيُّ-من أصحابنا-، عن مالكٍ، أنَّه قال: الذي جَمَعَ عليه الناسَ عمرُ بنُ الخطَّاب أَحَبُّ إليّ، وهي: إحدى عشرةَ ركعةً، وهي صلاةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قيل له: إحدى عشرةَ ركعةً بالوتر؟ قال: نعم، وثلاثَ عشرةَ قريبٌ.
قال: ولا أدري مِن أين أُحدِثَ هذا الركوعُ الكثير!- انتهى-.
قال شيخُنا في «شرح التِّرمذي»: القولُ الراجحُ المختارُ الأَقْوى- مِن حيثُ الدَّليلُ- هو هذا القولُ الأخيرُ، الذي اختاره مالكٌ لنفسِه- أعني: إحدى عشرةَ ركعةً ، وهو الثابتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسَّند الصَّحيح.
وبها أَمَرَ عمرُ بُن الخَطَّاب.
وأمَّا الأقوالُ الباقيةُ؛ فلم يَثبُت واحدٌ منها عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-بسندٍ صحيحٍ، ولا ثَبَتَ الأمرُ به عن أحدٍ مِن الخلفاء الراشدين-بسندٍ صحيحٍ خالٍ عن كلامٍ-.
ثُمَّ ذَكَرَ حديثَ عائشةَ -المذكورَ-: «ما كان يزيدُ في رمضانَ- ولا في غيرهِ- على إحدى عشرةَ ركعةً»، وحديثَ جابرٍ، قال: صلَّى بنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في شهرِ رمضانَ ثمانَ ركعاتٍ، وحديثَ جابرٍ، عن أُبَيٍّ: في إمامتِهِ للنساء في دارِهِ بثمانِ ركعاتٍ.
ثم ذَكَرَ أثرَ عُمَرَ -الذي نحنُ بصَدَدِ شرحِه-.
قلتُ: واسْتُدِلَّ لِمَن ذهب إلى أنَّ التراويحَ عشرون ركعَةَ- سوى الوتر- بما تقدَّم مِن حديث ابنِ عباسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلَّي -في رمضانَ- عشرينَ ركعةً سوى الوتر!
وقد تقدَّم أنَّه حديثٌ ضعيفٌ -جدًّا-، غيرُ صالحٍ للاستدلال.
و: بما روى عبدُ الرَّزَّاق، عن داودَ بن قيس، عن محمد بن يوسُف، عن السائب بن يزيدَ: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ جَمَعَ الناسَ -في رمضانَ- على أُبَيِّ بنِ كعبٍ، وعلى تَميمٍ الداريٍ: على إحدى وعشرين ركعةً!
وقد تقدَّم أنَّ قولَه: "إحدى وعشرين" -في هذه الرِّواية- وَهَمٌ.
على أنَّه مُضِرُّ للحنفيّةِ؛ مِن حيث إنَّه يستلزمُ أن يقولوا بكونِ التراويحِ ثمانيَ عشرةَ ركعةً! أو بكونِ الوترِ ركعةً واحدةً فَرْدَةً، فَافْهَم!
و: بما روى البيهقيُّ في «المَعْرفة» مِن طريق محمد بن جعفرٍ، عن يزيدَ بن خَصِيفةَ، عن السائب بن يزيدَ، قال: «كُنَّا نقومُ في -زمانِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ- بعشرينَ ركعةً، والوترِ».
وصحَّح إسنادَه السُّبْكِيُّ في «شرح المنهاج»، والقارِي في «شرح الموطأ».
وأُجيبَ عنه: بأنَّ في سندِه أبا عثمان البصريَّ، واسمُه: عمرُو بنُ عبدِ الله، قال النِّيمَويُّ في «تعليق آثار السُّنن»: لم أقفْ على مَن ترجم له!
وقال شيخُنا في «شرح التِّرمذي»: لم أقفْ أنا – أيضاً- على ترجمتِه، مع التَّفحُّص الكثيرِ؛ فَمَن يدَّعي صِحَّة هذا الأثرِ؛ فعليه أنْ يُثْبِتَ كونَه ثقةً، قابلاً للاحتِجاج.
ومع هذا؛ فهو مُعارَضٌ بما روى سعيد بنُ منصورٍ في «سُننه»، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد: حدَّثني محمدُ بن يوسُفَ: سمعتُ السائبَ بن يزيدَ، يقول: كُنَّا نقومُ- في زمانِ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب- بإحدى عشرةَ ركعةً.، قال السُّيوطي في رسالته «المصابيح»: إسنادُه في غايةِ الصِّحَةِ- انتهى-.
و-أيضاً-: هو معارَضٌ بما روى أبو بكر بِنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّان، عن محمد بن يوسُفَ: أنَّ السائبَ أخبره: أنَّ عُمَرَ جَمَعَ الناسَ على أُبَيٍّ وتميمٍ، فكانا يُصَلِّيان إحدى عشرةَ ركعةً- وإسنادُه صحيحٌ-.
و-أيضاً-: هو معارَضٌ بما روى محمدُ بن نصر في «قيام الليل» مِن طريق محمد بن إسحاقَ: حدَّثني محمد بن يوسُفَ، عن جدِّه السائبِ بنِ يزيدَ، قال: كُنَّا نُصلِّي- في زمنِ عُمَرَ- ثلاثَ عشرةَ ركعةً.
وهو- أيضاً-: مُعارَضٌ بما ذكره المُصَنِّفُ مِن رواية مالكٍ، عن محمدِ بن يوسُفَ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، أنَّه قال: أمر عمرُ أُبَيَّ بنَ كعبٍ وتميماً الداريَّ أَنْ يقوما للناسِ بإحدى عشرةَ ركعةً.
فَأَثَرُ السائبِ بنِ يزيدَ -الذي رواه البيهقيُّ- لا يصلُحُ للاحتجاجِ.
فإِنْ قلتَ: روى البيهقي هذا الأَثَرَ في «السُّنن» من طريق ابنِ أبي ذئبٍ، عن يزيدَ بن خَصِيفَةَ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، بلفظ: كانوا يقومون على عهدِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ- في شهر رمضانَ- بعشرين ركعةً، وصحَّح إسنادَه النَّوويُّ – وغيرُه-!
قلتُ: قال شيخُنا: في إسنادِه أبو عبد الله بنُ فَنْجَوَيْةِ الدِّينَوَريُّ- شيخُ البيهقيِّ-، ولم أقِفْ على ترجمته؛ فَمَن يدَّعي صِحَّةَ هذا الأثِر؛ فعليه أنْ يُثبِتَ كونَه ثقةً، قابلاً للاحتجاج.
وأمَّا قولُ النِّيمَويِّ: (هو من كبار المُحدِّثين في زمانِه، لا يُسأل عن مثلهِ)؛ فَمِمَّا لا يُلْتَفَتُ إليه؛ فإنَّ مجرَّدَ كونِهِ (مِن كبار المُحَدِّثين...) لا يستلزمُ كونَه ثقةً.
تنبيهان:
* الأول: قال صاحبُ «الأوجز»: قال في «الفتح الرَّحْماني»: قال العلامةُ العَينيُّ: احتجَّ أصحابُ الشافعيِّ وأحمدَ بما رواه البيهقيُّ- بإسنادٍ صحيحٍ- عن السائبِ بنِ يزيدَ، قال: كانوا يقومون- على عهد عمر- بعشرينَ ركعةً، وعلى عهدِ عثمانَ وعليٍّ مثلَه!
قلتُ: قال النِّيمَويُّ في «تعليق آثار السُّنن»: قولُه: «وعلى عهدِ عثمانَ وعليٍّ مثلَه»: قولٌ مُدْرَجٌ لا يوجَدُ في تصانيفِ البيهقي- انتهى-.
الثاني: قد جمع البيهقيُّ –وغيرُه- بين رِوايَتَيِ السائبِ -المُختلِفَتَيْنِ المذكورَتَيْنِ-: بأنَّهم كانوا يقومون (بإحدى عشرةَ ركعةً)، ثم كانوا يقومون (بعشرين، ويوترون بثلاث).
قال شيخُنا: فيه: أنَّه لِقائلٍ أنْ يقولَ: بأنَّهم كانوا يقومونَ –أولاً- بعشرين ركعةً، ثم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة.
وهذا هو الظاهرُ؛ لأنَّ هذا كان مُوافِقاً لِمَا هو الثابتُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذاك كان مخالفا له؛ فَتَفَكَّرْ- انتهى-.
قال بعضُ الحنفيَّة: ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بينهما بوجهٍ آخَرَ، وهو أن يقالَ: إنَّ رواية (إحدى عشرين): باعتبارِ مجموعِ ما صَلَّياه، و(إحدى عشرة): باعتبار كلِّ واحدٍ منهما، فكان يصلِّي كلُّ واحدٍ منهما عشراً عشراً، والواحدُ (الوترَ): يُصَلّي مرةً هذا، ومرةً هذا، فيصحُّ النسبةُ إليهما.
وفيه: أنَّ هذا الجمعَ مُضِرٌّ للحنفيَّةِ؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ عُمَرَ جمعَ الصحابةَ على الإيتارِ بركعةٍ واحدةٍ فَرْدةٍ!
وهو مخالفٌ لمذهبِ الحنفيَّة؛ إلا أنْ يقولوا: بأنَّ التراويحَ كانت ثمانيَ عشرةَ ركعةً، لكنْ؛ ليس هذا مذهبَهم؛ فَتَفَكَّرْ.
قلتُ: واستُدِلَّ –أيضاً- للحنفيةِ- ومَن وافَقَهُم- بما روى مالكٌ- ومن طريقِه البيهقيُّ -عن يزيدَ بنِ رُومَان، أنَّه قال: كان الناسُ يقومون- في رمضانَ- في زمانِ عمرَ بن الخَطَّاب- بثلاثٍ وعشرينَ ركعةً.
وفيه: أنَّ هذا الأَثَرَ منقطعٌ، غيرُ صالحٍ للاستدلال؛ لأنَّ يزيدَ بنَ رُومَان لم يُدرك عمرَ بنَ الخَطَّاب- كما صَرَّح به الزيلعيُّ والعَينيُّ- وغيرهما-.
وبما روى ابنُ أبي شيبةَ عن وكيعٍ، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ أمر رجلاً يُصَلِّي بهم عشرين ركعةً.
وفيه: أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ لم يُدرِك عُمَر- كما اعترف به النِّيمويُّ-.
وقال ابنُ المَدِيني: لا أعلمُه سمع مِن صحابيٍّ غيرِ أنس؛ فهذا الأثرُ منقطعٌ، لا يصلُحُ للاحتجاج .
ومع هذا؛ فهو مخالفٌ لِمَا ثبتَ بسندٍ صحيحٍ عن عُمر: أنَّه أمَر أُبَيَّ بنَ كعبٍ وتميماً الداريَّ أنْ يقوما للناسِ بإحدى عشرةَ ركعةً.
و-أيضاً-: هو مُخالفٌ لما ثبتَ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديثِ الصَّحيحِ، وبما روى – أيضاً- ابنُ أبي شيبةَ عن عبد العزيز بن رُفَيع، قال: كان أُبَيُّ بنُ كعبٍ يُصلّي بالناسِ- في رمضانَ- بالمدينة- عشرينَ ركعةً، ويوتر بثلاث.
وفيه: أنَّ هذا – أيضاً- منقطعٌ، غيرُ صالحٍ للاستدلال؛ لأنَّ عبدَ العزيز بنَ رُفَيع لم يُدرك أُبَيَّ بن كعب-، كما صرَّح به النِّيمَويُّ.
ومع هذا؛ فهو مخالفٌ لِمَا تقدَّم أنَّ عَمَرَ أَمَرَ أُبَيًّا وتميماً أَنْ يقوما للناسِ بإحدى عشرةَ ركعةً!
وهذا – أيضاً- منقطع؛ فإنَّ الأعمشَ لم يُدرك ابنَ مسعود.
و: بما روى البيهقيُّ في «السُّنن» (ج2 ص497)، وابنُ أبي شيبة في «المصَّنف» عن أَبي الحَسْناء: أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ أمر رجلاً أن يصلّي بالناسِ خمسَ ترويحاتٍ- عشرينَ- ركعةً-.
وفيه: أنَّ مَدارَ هذا الأثرِ على أبي الحَسْناء، وهو مجهولٌ- كما قال الحافظُ في «التَّقريب»: وقال الذَّهبي في «الميزان»: لا يُعْرف.
ورواه -أيضاً- البيهقيُّ (ج2 ص496) مِن وجهٍ آخرَ، أي: من طريقِ حَمَّاد بن شُعَيب، عن عطاءِ بنِ السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن عليٍّ، قال: دعا القُرَّاءَ في رمضانَ، فأمر منهم رجلاً يُصلِّي بالناسِ عشرين ركعةً، قال: وكان عليٌّ يوترُ بهم.
وفيه: أنَّ هذا الأثرَ – أيضاً- ضعيفٌ، غيرُ صالحٍ للاحتجاج، بل ولا للاستشهادِ! ولا للاعتبار!
قال النِّيمَويُّ في «تعليق آثار السُّنن»- بعد ذكرِه حمَّادَ بنَ شُعيب-: ضعيف، قال الذَّهَبِيُّ في «الميزان»: ضعَّفه ابنُ معينٍ -وغيرُه-، وقال يحيى- مرَّةً-: لا يُكتَب حديثه، وقال البُخاري: فيه نَظَرٌ، وقال النَّسَائي: ضعيفٌ، وقال ابنُ عَدِي: أكثرُ حديثِهِ ممَّا لا يُتابَع عليه- انتهى كلام النِّيمَويُّ-.
واستُدِلَّ لهم –أيضاً- بآثارٍ أخرى ذكرها النِّيمَويُّ –وغيرُه-، لا يخلو واحدٌ منها عن وَهَنٍ.
تنبيهٌ: قد ادَّعى بعضُ الناسِ أنَّه وقع الإجماعُ على عشرين ركعةً- في عهد عمر-، واستقرَّ الأمرُ على ذلك في الأمصار!
قال شيخُنا: دعوى الإجماعِ على عشرين، واستقرارِ الأمر على ذلك- في الأمصار-: باطلةٌ -جدًّا-!
كيف وقد عرفتَ- في كلام العينيِّ- أنَّ في هذا أقوالاً كثيرة، وأنَّ الإمامَ مالكًا قال: وهذا العملُ - يعني: القيامَ في رمضانَ- بثمانٍ وثلاثين ركعةً، والإيتارَ بركعة- بالمدينةِ-قبل الحَرَّة- منذ بضعٍ ومائةِ سنةٍ إلى اليوم- انتهى-.
واختار هذا الإمامُ إمامُ دار الهجرة لنفسِه إحدى عشرةَ ركعة.
وكان الأسودُ بنُ يزيدَ النَّخَعِيُّ –الفقيهُ- يُصَلِّي أربعين ركعةً، ويوتر بسبعٍ.
وتذَكَّرْ باقي الأقوالِ التي ذَكَرها العينيُّ.
فأين الإجماعُ على عشرينَ ركعةً!؟
وأين الاستقرارُ على ذلك في الأمصارِ؟!).

قلتُ:
هذا آخِرُ كلامِ محدِّثِ الهندِ العلامةِ الشيخِ عُبَيدِ الله الرحمانيِّ المُباركفوري-رحمه الله-في هذا الموضوعِ المهمّ الجليلِ.
واللهُ الموفّقُ لا رَبَّ غيرُه، ولا إله سِواه.




عمّان-الأُردُنّ
في 22/ شعبانَ /1439هجرية

رابط دائم رابط التغريدة 442
3:32 PM - 8/05/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث