الوقت المتوقع للقراءة: 09 دقائق و 19 ثانية

منهجيةُ (أصحابِ الحديثِ) احترامُ المذاهب الأربعة:

نَقَلَ الإمامُ الحافظُ شمسُ الدين الذهَبيُّ في كتابِه «تاريخ الإسلام» (10/237) عن أبي طاهرٍ بَرَكةَ بْنِ حسّانَ، أنّه قال:
«ناظرتُ أَبَا الْحَسَنِ الـمَغَازِليَّ [المتوفّى سنةَ ( 483 هـ( ] فِي التفضيلِ بين مالكٍ والشافعيِّ: فَفَضّلْتُ الشافعيَّ، وفضَّلَ مالكًا-وكان مالكيّاً، وأنا شافعيٌّ-!
فاحْتَكَمْنا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ اللَّيْثيِّ [المتوفّى سنةَ ( 466 هـ (] ، ففضَّلَ الشافعيَّ، فَغَضِبَ الـمَغَازِليُّ، وقال: لعلّك على مذهبِه؟!
فقال: نَحْنُ (أصحابُ الحديثِ)؛ الناسُ على مذاهبِنا، ولسنا على مذهبِ أَحدٍ.
ولو كنَّا ننتسبُ إِلَى مذهبِ أحدٍ، لَقيل: أنتم تَضَعُون له الحديثَ!..».

ويُستفاد من هذا النصّ العلميّ التاريخيّ فوائدُ عدّةٌ؛ منها:
الأول: أنّ لـ(أصحابِ الحديثِ)منهجاً معروفاً –ممتدّاً عبرَ التاريخ-.
الثاني: منهجُ (أصحابِ الحديثِ) منهجٌ علميٌّ مميَّزٌ، قائمٌ بذاتِه-لا يُنكَرُ-.
أمّا الترجيحُ-تصويباً-أو تخطِئةً-في هذه المسألةِ، أو تلك-: فإنّه كغيرِه مِن المذاهبِ؛ يكونُ الدليلُ هو الفَيْصَلَ-مِن غير تعصُّبٍ، ولا تحزُّبٍ-.
الثَّالثُ: أنّ هذا المنهجَ موجودٌ في الأمّة-مُتَوَارَثٌ-باقٍ-قبل حدوثِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ -الشهيرةِ -وغيرِها-فضلاً عمّا بَعدَها-.
الرابعُ: أّنّ الأئمةَ: مالكاً، والشافعيَّ، وأحمدَ-وغيرَهم ممّن اشتُهروا بالحديثِ والسنّةِ، وروايتِهـ/ـما، ودِرايتِهـ/ـما-هم مِن جِلَّةِ (أصحابِ الحديثِ)-مِن قبلِ نُشوءِ مذاهبِهم-وكذا بَعْدَها- رحمهم الله-.
الخامسُ: أنّ الانتسابَ إلى إمامٍ (واحدٍ) مِن أئمّة الفقه-رحمهم الله-أجمعين-(قد) يؤدّي إلى التعصّبِ مِن غيرِ شُعورٍ؛ فضلاً عن الاندفاعِ في الدفاع-وأحياناً بِلا حُجّةِ دليلٍ، ولا بُرهانِ إقناع-.
السادس: عدمُ استنكارِ التفقُّهِ على مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ؛ إذا ابتعدَ الـمُتَمذهِبُ عن التعصّبِ، وجَعلَ الدلائلَ الشرعيّةَ أمامَ عينيه، وبين يَدَيه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾..
السابعُ: احترامُ الأئمّةِ الأربعةِ-وغيرِهم-واجبٌ شرعيٌّ؛ جَزاءَ ما قاموا به-رحمهم الله-مِن خدمةِ الدينِ-عموماً-، والفقهِ-خصوصاً-.
الثامنُ: تقديمُ احترامِ الشرعِ الحكيمِ-وتعظيمِ نُصوصِه ودلائلِه-على كلِّ ما/مَن=سِواه-مِن مذاهبَ، وعلماءَ، واجتهاداتٍ، وآراءٍ-مع التماسِ الأَعذارِ للمخالفِ-تقديراً لا تقديساً-، ورجاءِ الأجرِ له-ابْتِنَاءً على قاعدةِ «رَفع الـمَلام عن الأئمّةِ الأعلام»-التيميّةِ الذهبيّة-..
التاسع: منهجيةُ (أصحابِ الحديثِ)-الفقهيّةُ-قائمةٌ على نحوِ ما أَصَّلَ التابعيُّ الجليلُ (الإِمَامُ، الفَقِيْهُ، الحَافِظُ، المُفْتِي)-كما وصفه الإمامُ الذهبيُّ في كتابه«سير أعلام النبلاء»(5/445)- أَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللهِ بنُ ذَكْوَانَ القُرَشِيُّ المَدَنِيُّ-وهو شيخُ الإمامِ مالكٍ-فيما رواه عنه الإمامُ الخطيبُ البغداديُّ في كتابِه«الفقيه والمتفقّه»(1/391)-قال-:
« إِنَّ السُّنَنَ لَا تُخَاصَمُ , وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُتْبَعَ بِالرَّأْيِ وَالتَّفْكِيرِ , وَلَوْ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ: لَمْ يَمْضِ يَوْمٌ إِلَّا انْتَقَلُوا مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ!
وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي لِلسُّنَنِ أَنْ تُلْزَمَ، وَيُتَمَسَّكَ بِهَا -عَلَى مَا وَافَقَ الرَّأْيَ، أَوْ خَالَفَهُ-.
وَلَعَمْرِي: إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ-وَمُجَانَبَتِهِ- خِلَافًا بَعِيدًا؛ فَمَا يَجِدُ الْـمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِهَا، وَالِانْقِيَادِ لَهَا..».
قلتُ:
وقد كان «أبو الزِّناد مِن (أصحابِ الحديثِ)»-كما نَصَّ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ-في«العِلل»-رواية المرُّوذيِّ –وغيره-(507)-.
العاشر: أنَّ مذهبَ (أصحابِ الحديث)-في عدمِ وجوب التقليدِ-فضلاً عن الإلزامِ به-، وأهمّيّةِ الأخذِ بالراجحِ من الأدلّةِ والحُجَجِ-ليس أمراً مُشاعاً لكلِّ أحدٍ!
وإنّما هو-حَسْبُ-لِمن سَما عن أن يكونَ جاهلاً، ولم يَصِلْ إلى درجة العالِم؛ بحيثُ تكونُ –عنده- أهليّةُ النظرِ والترجيحِ؛ ويكونُ قد عَرَف براهينَ الشرعِ-كتاباً وسُنّةً-، وفَهِمَهما على ضَوء منهج السلَف الصالحين، وأتْقَن دَلالاتِ النصوصِ-المبنيّةَ على علم (أصول الفقه)-وما يُلحَقُ به-، مُحْسِناً تطبيقَ بقيّةِ علومِ الآلةِ-كاللغةِ، وعلومِ الحديثِ-وما إلى ذلك-.
وقد قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ-رحمه الله-تعالى-في«مجموع الفتاوى»(22/248)-موضِّحاً-:
«وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَّبِعًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ مَالِكٍ، أَوْ الشَّافِعِيِّ، أَوْ أَحْمَد، وَرَأَى -فِي بَعْضِ الـْمَسَائِلِ- أَنَّ مَذْهَبَ غَيْرِهِ أَقْوَى، فَاتَّبَعَهُ: كَانَ قَدْ أَحْسَنَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي دِينِهِ، وَلَا عَدَالَتِهِ -بِلَا نِزَاعٍ-.
بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَأَحَبُّ إلَى الله وَرَسُولِهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِمَّنْ يَتَعَصَّبُ لِوَاحِدِ مُعَيَّنٍ غَيْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ كَمَنْ يَتَعَصَّبُ لِمَالِكِ، أَوْ الشَّافِعِيّ،ِ أَوْ أَحْمَدَ، أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَرَى أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْـمُعَيَّنِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ-دُونَ قَوْلِ الْإِمَامِ الَّذِي خَالَفَهُ-!»!
ثم قال-رحمه الله-:
«وَمَنْ كَانَ مُوَالِيًا لِلْأَئِمَّةِ، مُحِبًّا لَهُمْ، يُقَلِّدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ: فَهُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ.
بَلْ هَذَا أَحْسَنُ حَالًا مِنْ غَيْرِهِ...».
حادي عشرَ: أمّا فاقدو هذه الأهليّةِ العلميّةِ؛ فليس وراءهم إلا التقليد-لا غيرَ-!
وهم-في ذلك-مَعذورون؛ لكنْ: لا يتعصّبون!
وقد بحث الإمام النَّوَويُّ في«روضة الطالبين»(11/117) مسألةَ: « هَلْ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَخَيَّرَ، وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ؟».
ولقد قال-رحمه الله-بعد أن نَقل الخلافَ في ذلكَ بينَ أصحابِه علماءِ الشافعيةِ-:
«...وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ؛ بَلْ يَسْتَفْتِي مَنْ شَاءَ، أَوْ مَنِ اتَّفَقَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلَقُّطٍ لِلرُّخَصِ».
وكان الإمامُ النَّوَويُّ-رحمه الله- قد قال-مِن ضِمن ما قال-أثناءَ بحثِه-مُعَلِّلاً-:
« لِأَنَّ الْـمَذْهَبَ لِعَارِفِ الْأَدِلَّةِ »...
و(فاقدُ الشيْ لا يُعطيهِ)!
...فَإِقامَةُ هُوَّةٍ-مُفْتَعَلَةٍ!-بين الفقهِ والحديثِ: بابٌ يهدِمُ، ولا يخدُمُ!
بل هما عِلمانِ متوائمانِ، متلائمانِ، متكاملانِ، كُلٌّ له قَدْرُهُ ومَنزِلتُهُ-مِن غيرِ تناقضٍ، ولا تَهَاتُرٍ-؛ فالذي علّم الأُمّةَ السُّنَّةَ والحديثَ، وحَثَّ على رِوايـتِهـ/ـما وتَبيلغِهـ/ـما: هو الّذي حَضَّ على التفقُّهِ فيهـ/ـما، واستِكْناهِ فَوائدِهِما ومَعانيهِـ/ـما-صلواتُ ربّي، وسلامُه عليه-..
...ومَن لم يُدْرِك هذا المعنى الجميلَ، الجليلَ، النبيلَ؛ فلْيُراجِعْ نفسَه!
وقد ذَكَرَ الإمامُ الحافظُ أبو عبدِالله الحاكمُ النيسابوريُّّ-المتوفّى سنةَ (405هـ)- في كتابِه «معرفة عُلوم الحديث» (ص66)-أُصولَ وقواعدَ معرفةِ (صِحَّةِ الْحَدِيثِ-إِتْقَانًا وَمَعْرِفَةً-؛ لَا تَقْلِيدًا وَظَنًّا)-؛ ثمّ أَتْبَعه بِذِكْرِ: (مَعْرِفَةِ فِقْهِ الْحَدِيثِ)-واصِفَاً مَكانتَه العُلْيا بقولِه-: (هُوَ ثَمَرَةُ هَذِهِ الْعُلُومِ، وَبِهِ قِوَامُ الشَّرِيعَةِ).
ثم قال-رحمه الله-: ( وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ -بمَشِيئَةِ الله- فِي هَذَا الْـمَوْضِعِ- (فِقْهَ الْحَدِيثِ)-عَنْ أَهْلِهِ-؛ لِيُسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصَّنْعَةِ-مَنْ تَبَحَّرَ فِيهَا-: لَا يَجْهَلُ (فِقْهَ الْحَدِيثِ)؛ إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الْعِلْمِ).
وبَعْدُ؛ فاللهُ يَشهَدُ أنّي سمعتُ شيخَنا الكبيرَ أبا عبدِالرحمن محمّد ناصر الدين الألبانيَّ-رحمه الله-تعالى-يقولُ: (التقليدُ المنضَبِطُ خيرٌ مِن الاجتهادِ الأهوَجِ)..

رابط دائم رابط التغريدة 266
3:32 PM - 14/05/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. إشراقة غسق
    🌞إشراقة غسق 🌞 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسعد الله صباحكم لهذا اليوم الاحد 1440/3/1 0ﮪ 🌷🌻🌷🌻🌷 خير مانبدأ به آيات عطره cdn.top4top.net/d_b2e36288dd6.mp3 🌷🌻🌷🌻🌷 اذكار الصباح حصن منيع وامان يغش
  2. نشرة ٱخبارالطب والصحة والتغذية(436)​​
    ما لا تعرفه عن الكستناء! https://v.sa24.news/2018/11/1458.html 5 أعراض مبكرة تمثل جرس إنذار لأورام الدماغ السرطانية https://twasul.info/1269784/ لا تتجاهل اضطراب حركة جفن العين.. لهذا السبب http
  3. 🌃 *همسة الوتر*🌃 ﴿ أمّن هو قانتٌ آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر ا
  4. ما هو تاريخ يوم الصحة العالمي لعام ١٤٤٠ هجري
    ما هو تاريخ يوم الصحة العالمي لعام ١٤٤٠ هجري انقر على الرابط التالي عزيزي الزائر لتعرف إجابه السؤال https://www.almseid.org/14844/ما-هو-تاريخ-يوم-الصحة-العالمي-لعام-١٤٤٠-هجري...
  5. بحث عن اعلام سابقين في احد المجالات واختيار احدهم للكتابه عنه بايجاز
    بحث عن اعلام سابقين في احد المجالات واختيار احدهم للكتابه عنه بايجاز مختصر لمشاهدة الحل كامل اضغط على الرابط التالي https://www.ejabty.com/81658/%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B3%D8%A7%D8
  6. اذا تغير حجم المادة ولم تتغير اي خاصية اخرى لها فهل يعد هذا تغيرا فيزيائيا
    اذا تغير حجم المادة ولم تتغير اي خاصية اخرى لها فهل يعد هذا تغيرا فيزيائيا https://www.adeimni.com/6212/%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AF%D
  7. روى الإمامانِ الجليلانِ البُخاريُّ ومسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-ر
  8. دولة وقعت فيها احدى اهم اتفاقيات الاتحاد الاوروبي شنغن من 9 حروف
    دولة وقعت فيها احدى اهم اتفاقيات الاتحاد الاوروبي شنغن من 9 حروف https://www.dhakirti.com/9717/%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%AA-%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D9%89-%D8%
  9. من صاحب فكرة تأليف صحيح البخاري
    بسم الله الرحمن الرحيم ▬▬▬▬▬▬▬▬●ஜ۩۞۩ஜ●▬▬▬▬▬▬▬▬● (تنبيه وإرشاد): هل ألف الإمام البخاري رحمه الله كتابه الصحيح تلبية لرغبة شيخه إسحاق بن راهويه ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه "فتح الباري" (ص 8 -
  10. ‫عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الك

بحث