الوقت المتوقع للقراءة: 06 دقائق و 46 ثانية

تغريد (بين الإمامَينِ الشافعيِّ وأحمدَ)-في مسألةِ (التقليد)-:

غرّد بعضُ الأفاضلِ-وفّقهم الله-قبل أيّامٍ-بالكلمةِ التاليةِ:

(لأنَّ الإمام الشافعي إمام هُدى؛ لا يقول إلَّا عن دليل:
قال إِمامُنا أحمد بن حنبل : «إذا سُئِلْتُ عن مسألةٍ لا أعرفُ فيها خَبَرًا، قلتُ فيها بقول الشافعي».
وقال -مَرَّةً- : «إِنْ لم يصحَّ فيه حديث؛ ففيه قول الشافعي، وَحُجَّتُهُ أثبت شيء فيه».
....لو أدركه مُتَفَيْهِقَة زماننا، لقالوا : العِبْرة بالدليل؛ لا بأقوال الرِّجال -يا ابن حنبل-).

قلتُ:
مجالُ النقدِ والتعقيبِ على هذه الكلمةِ موجودٌ موفورٌ، أهمُّه: السطران؛ الأول، والأخير:
* أمّا أولاً؛ فدعوى: (أنّ الإمام الشافعي لا يقول إلَّا عن دليل) مجمَلةٌ؛ فهل المقصودُ بـ(الدليل): النصّ، أم الاجتهاد؟!
و..هل يستويانِ-ابتداءً-، ويجتمعانِ-أَثراً-!؟
ثم؛ تحسينُ الظنّ بالإمام شيءٌ، والجزمُ بتصويب اجتهاداتِه-جميعاً-شيءٌ آخر-تماماً-قد لا يقولُ به هو-نفسُه-رحمه الله-!
* وأمّا ثانياً؛ فـ(المتفيهق)، هو:( الواسعُ الكلامِ مِن غاية التكلُّف والرُّعونة، يتوسَّعُ في الكلام، ولا يبالي: أخَيرٌ يقول أم شرٌّ!)-كما قال العلامةُ الـمُظْهِريّ الحنفيّ في كتابه«المفاتيح في شرح المصابيح»-!
...فهل تريدُ(!)هذا المعنى لـ(الـمتفيهق)، أم غيرَه؟!
فإنْ كان غيرَه؛ فما هو، ولماذا ؟!
* وأمّا ثالثاً؛ فانظرْ-سدّدك الله-إلى كلامِ الإمامِ النوويِّ الشافعيِّ-رحمه الله-في كتابه«المجموع»-عند مناقشته بعضَ فروعِ مسألة(ربا الفضل)-حيث قال-:
»وَقَدْ خَالَفَ الشَّافِعِيَّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ- أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَ(أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ!)-فِي الْمَشْهُورِ-، وَالْمُزَنِيُّ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ -مِنْ أَصْحَابِنَا-، فَقَالَ فِي «الْحِلْيَةِ»:(وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالِاخْتِيَارُ)؛ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ -فِيمَا حَكَى عَنْهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ-:(إنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الرُّطَبِ جَائِزٌ-إلَّا الشَّافِعِيَّ-..)«-إلى آخِر ما قال-!
وقال العلامةُ الـمَنقورُ-مِن متأخّري الحنابلة-في«الفواكه العديدة»:(ومِن «مناقب الإمام أحمدَ»-للشيخ يوسف بن عبد الهادي-: ومِن الناس مَن يقول: ليس بين مذهبِ أحمد، ومذهبِ الشافعي خلافٌ؛ إلا في مسائل قليلة-نحو ستَّ عشرةَ مسألةً-! وهذا قولُ بعض الأغبياء!!
إشارةً منه إلى أنه لا حاجةَ إلى مذهبِ أحمدَ؛ فإذا حقَّق الإنسانُ النظرَ: وَجَدَ مذهبَ أحمدَ مخالفاً لمذهب الشافعي في أكثرَ من عشرة آلاف مسألة-بل وأكثر من ذلك-... )!!
أقولُ: وقد يكون كثيرٌ-أو قليلٌ-منها: بسبب (الدليل)؛ فكيف بما كان بسبب (الاجتهاد)؟!
* وأمّا رابعاً؛ فإنّ أصل الخبر الذي أورده الفاضلُ -المشارُ إليه-وفّقه الله-لا يصحُّ، ولا يثبت!
فقد رواه البيهقي في«المدخل إلى علم السُّنن»-وغيرُه-بسنده-إلى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِينَ الْهَرَوِيّ: سمعتُ إبراهيمَ بنَ إسحاقَ الأنصاريَّ يقول: سمعتُ الـمَرْوَرُّذِيَّ-صاحبَ أحمدَ بنِ حنبلٍ-يقولُ: قال أحمدُ..-فذَكَره-..
...وقد تعجّب منه-مُستنكِراً له- الحافظُ ابنُ مُفْلِحٍ في «الفروع»-قائلاً-:
«وَمِن الْعَجَبِ: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ «الْمَدْخَلِ إلَى السُّنَنِ» عَن الـمَرْوَرُّذِيَّ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا أَعْرِفُ فِيهَا خَبَرًا، قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ...».
إلى أن قال: «...وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي إسْنَادِهَا: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِينَ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَرَوِيُّ؛ كَذَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْإِدْرِيسِيُّ: سَمِعْتُ أَهْلَ بَلَدِهِ يَطْعَنُونَ فِيهِ، وَلَا يَرْضَوْنَهُ...».
ثم خَتم بقولِه: «... وَظَهَرَ -مِمَّا سَبَقَ-أَنَّهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَعَ مَا عِنْدَهُ مِن الشَّرْعِ لِقَوْلِ أَحَدٍ».
وعلّق الإمامُ ابنُ قُنْدُس-في«حواشيه»-على الجملة الأخيرةِ-منه-بقولِه: «قد سبق أنّ أحمدَ قال: لا تقلّد أمرَك أحداً، وعليك بالأثر.
وتقدّم قولُ أحمدَ: عليك بما كان عليه رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-، وأصحابُه».
* وأمّا خامساً؛ فسياقُ نصِّ الخبرِ-على وَهائه!-يبيّن أنّ التعليلَ المنسوبَ لصنيع الإمام الشافعي-على لسان الإمامِ أحمد-؛ على اعتبارِ أنّه: (لا يقول إلا عن دليل!): هو إقحامٌ-بل اقتحامٌ!-على النصّ!
وأمّا لفظُ النصِّ-على وَهَنِه!-؛ فهو قولُه-معلّلاً-:«...لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ»!
وفرقٌ بين الكلامَينِ كبيرٌ-جداً-كما أَلمحتُ-ابتداءً-!
* وأمّا سادساً-وأخيراً-الآنَ-؛ فأقول: هل كلُّ (إمام هدى)=(لا يقولُ إلا عن دليل!)؟!
أم أنّ ذلك خاصٌّ بالإمام الشافعيّ-رحمه الله-تعالى-مِن دون (أئمّة الهدى)-الباقين-رحمهم الله-أجمعين-؟!
فإنْ كان-هذا! أو ذاك!-؛ فَلِمَ، وكيف؟!
« فـ(أئمة الهدى)، هم: الذين قال الله –تعالى- فيهم:﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وقال -عز وجل-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
وهم: المتَّبِعون الكتابَ والسنّةَ، والمتمسِّكون بآثار سَلَفِهم-الذين أُمِروا بالاقتداء بهم- كما أَمَر الله –تعالى- رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بالاقتداءِ بمَن تقدَّمه مِن الأنبياء والمرسَلين؛ فقال-تعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾، وقال -في حقِّ هذه الأمّةِ-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الـْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾.
فعلامةُ (الـمُتَّبِعين): أنْ يعرفوا علمَ التفسير، وعلمَ الحديث، وعلم التّفقُّه عليهما، و...»- إلى آخِرِ ما قال العلامةُ أبو زكريّا يحيى بنُ إبراهيم الأَزْديُّ السَّلَماسيُّ-المتوفى سنةَ (550هـ)-رحمه الله-في كتابِه«منازل الأئمة الأربعة»-.

وفي الختامِ:
مَن أراد أنْ يَسلُكَ مَسْلَكَ (التقليدِ)-مُرْتضياً له-؛ فلْيفعلْ..لكنْ؛ ليُنصِفْ نفسَه-قبلَ الآخَرين-!

رابط دائم رابط التغريدة 37
2:53 PM - 24/05/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. استثمار العقول
    استثمار العقول د. فاروق القاسم * إذا كنت تعول على اكتشاف النفط الوفير فلن تصبح بلادنا إلا على شاكلة نيجيريا . * لا تحدثني عن ثروة أي بلد وأهله مشحونين بالحقد والعنصرية والمناطقية والجهل وا
  2. بإذن الله-تعالى-: ابتداءً من يوم الاثنين القادم: ١١شوال..سنُعاود
  3. عائشه بنت ابن ابي قحافه لعنة الله عليهما تدس السم لزوجها رسول
  4. 📩📩📩📩 🔖《لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ] 💡بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
  5. ☀ *إشراقة الصباح*☀ إذا كان لك حزب يومي من القرآن حصل لك: - انشر
  6. نشرة ٱخبارالأحوال الجوية والطقس(676)​​
    «الأرصاد»: غبار على الوسطى والشرقية.. وأمطار على الجنوبية http://www.okaz.com.sa/article/1650257?rss=1 طقس الأربعاء.. توقع استمرار موجة الغبار على 3 مناطق https://twasul.info/1153944/ زلزال قوته 5
  7. هل تردون تحقيق دخل مادي شهري أضافي !! بدون شهادات ولا خبرة بدون
  8. قضاء التعليمات يتهدد العدالة الانتقالية ! احمد الرحموني رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء
    في مراسلة "غريبة"( تم نشرها اخيرا) موجهة الى ادارات المحاكم الاستئنافية والابتدائية – ممثلة في رؤسائها واعضاء نيابتها - فضلا عن رؤساء الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية لا يجد المتفقد العام بوزارة
  9. ‏وانا اتفكر واتدبر دعاء الاستخارة الذي رواه البخاري؛ صرت اسأل نفس
  10. 🔴 جديد : وصية قيمة و ثمينة من عَالِمٍ رَبَّانِيّ ما أحوجنا إليها

بحث