الوقت المتوقع للقراءة: 03 دقائق و 54 ثانية

تفصيل قوي متين في الرد على الأشاعرة في مسألة أفعال العباد للعلامة الأصولي محمد علي فركوس نفع الله به

ويُؤكِّدُ ذلك ـ أيضًا ـ قولُه تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾ [الزلزلة]؛ فأضافَ اللهُ سبحانه عَمَلَ الخيرِ والشرِّ إلى العبد على الحقيقة؛ فدلَّ على أنه مِنْ كَسْبِه وعَمَلِه الذي يُجازى به، وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فأَثْبَتَ اللهُ تعالى للعبد عملًا وكسبًا وهو مِنْ فِعْلِه حقيقةً؛ إذ الكسبُ هو الفعلُ الذي يعود على فاعِلِه منه نَفْعٌ أو ضررٌ(٥).

وهذا هو المرادُ بالكسب عند المصنِّف ـ رحمه الله ـ، وليس هو «الكسبَ» عند الأشعريِّ الذي رام التوسُّطَ بين الجبرية والقدرية؛ فأَحْدث «نظريةَ الكسب» التي لم يُعْرَفِ القولُ بها إلَّا في زمنه، تلك النظريةُ التي حيَّرَتِ الأفهامَ في تصوُّرها واضطربَتِ الأقوالُ في التعبير عنها، ومَفادُها: أنَّ الكسب هو الاقترانُ العاديُّ بين قدرة العبد الحادثة وفعلِه الواقع بقدرة الله وحدها، وتوضيحُ ذلك أنَّ الأشاعرةَ يُثْبِتُون أنَّ أفعالَ العبدِ مخلوقةٌ لله تعالى، وهي مع كونها خَلْقَ اللهِ فهي مِنْ كَسْبِ العبد، غيرَ أنَّ أفعالَ العبدِ واقعةٌ ـ عندهم ـ بقُدْرةِ الله وَحْدَها، وللعبدِ قدرةٌ لا تأثيرَ لها فيها، أي: أنَّ العبدَ كاسبٌ وليس بفاعلٍ حقيقةً، والفعلُ يُوجَدُ عند القدرةِ لا بها، وإنما فاعلُ فِعْلِ العبدِ هو اللهُ تعالى، وعَمَلُ العبدِ ليس فعلًا للعبد، بل هو كَسْبٌ له، وإنما هو مِنْ فِعْلِ الله فقط، والخالقُ قَرَنَ القدرةَ بالمقدورِ بمُجرَّدِ الاقترانِ العاديِّ لا لسببٍ ولا لحكمةٍ أصلًا.

والذي جَرَّ الأشاعِرةَ إلى تعطيلِ تأثيرِ القدرةِ الحادثةِ في الفعل هو: اعتقادُهم بأنَّ الأفعالَ ذواتٌ، ولا يَقْدِرُ على الذواتِ إلَّا اللهُ؛ الأمرُ الذي دَفَعَهم إلى عَدَمِ التفريقِ بين الخَلْقِ والفعل، ويقولون: إنَّ الخَلْقَ هو المخلوقُ، والفعلَ هو المفعولُ؛ فنَسَبُوا الخَلْقَ والفعل لله تعالى؛ لأنَّ الفعلَ ـ عندهم ـ هو المفعولُ؛ فامتنع ـ مع هذا ـ أَنْ يكون فعلًا للعبد؛ لئلَّا يكون فعلٌ واحدٌ له فاعلان؛ لذلك لم ينسبوا للعبد إلَّا كسبًا لا يُعْقَلُ.

ولا يخفى أنَّ إثباتَ قدرةٍ لا أَثَرَ لها في الفعل إنما هو ـ في حقيقةِ الأمر ـ نفيٌ للقدرة أصلًا؛ فوجودُها وعَدَمُها سواءٌ، كما أنَّ المُتقرِّرَ عند جماهيرِ المسلمين أنَّ الأفعالَ صفاتٌ وأحوالٌ وليسَتْ ذواتٍ(٦).

وقد استنكر العُلَماءُ وكذا أعلامُ المذهب الأشعريِّ كالباقلَّانيِّ والجوينيِّ وغيرِهما الكسبَ الذي قال به الأشاعرةُ؛ لأنه قولٌ حادثٌ لم يُعْرَفْ إلَّا في زمن الأشعريِّ بعد انقضاء القُرون الثلاثة المفضَّلة، وعَدُّوهُ قولًا مُتناقِضًا لا حقيقةَ له ولا حاصِلَ تحته وغيرَ معقولٍ؛ إذ لا يُوجَدُ فَرْقٌ معقولٌ بين الفعلِ الذي نَفَوْهُ عن العبد والكسبِ الذي أَثْبَتُوه له، وقولُهم في الكسب ـ عند التحقيق ـ لا يخرج عن مَقالةِ الجهميةِ والجبرية؛ لذلك قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في مَعْرِضِ بيانِ الكسبِ عند الأشاعِرة: «وهُمْ لا يقولـون به، بل قدرةُ العبدِ ـ عندهم ـ لا تَتعلَّقُ إلَّا بفعلٍ في مَحَلِّها، مع أنها ـ عند شيخِهم ـ غيرُ مُؤثِّرةٍ في المقدور، ولا يقول: إنَّ العبدَ فاعلٌ ـ في الحقيقة ـ بل كاسبٌ، ولم يذكروا بين الكسبِ والفعلِ فَرْقًا معقولًا، بل حقيقةُ قولهم قولُ جهـمٍ: إنَّ العبدَ لا قُدْرَةَ لـه ولا فِعْلَ ولا كَسْبَ، واللهُ ـ عندهم ـ فاعِلُ فِعْلِ العبد، وفِعْلُه هو نَفْسُ مفعولِه؛ فصارَ الربُّ ـ عندهم ـ فاعلًا لكُلِّ ما يُوجَدُ مِنْ أفعال العباد؛ ويَلْزَمُهم أَنْ يكونَ هو الفاعلَ للقبائح، وأَنْ يَتَّصِفَ بها على قولهم: إنه يُوصَفُ بالصفات الفعلية القائمةِ بغيره»(٧).
(ومضات توضيحية الحلقة السابعة)

رابط دائم رابط التغريدة 63
12:18 PM - 31/03/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

بحث