الوقت المتوقع للقراءة: 11 دقائق و 07 ثانية

الحدِيثُ الْمُدْرَجُ:
في سلسلة شرح المنظومة البيقونية في علم مصطلح الحديث
لـ عمر بن محمد بن فتوح البَيْقُونِي الدِّمَشْقِيّ رَحِمَهُ الله:
قَالَ النَّاظمُ عمر بن محمد بن فتوح البَيْقُونِي الدِّمَشْقِيّ رَحِمَهُ الله: ...
26 - والُمدْرَجَاتُ فِي الحديثِ مَا أَتَتْ ... مِنْ بَعْض أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ اتَّصَلَتْ
__________
الحدِيثُ الْمُدْرَجُ:
ثم تكلم النَّاظمُ رَحِمَهُ الله عن مَبْحَثٍ مُنَاسِبٍ بَعد العِلَل، وهو الحديثِ الْمُدْرَج
وهو السادس والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم.
__________
والحديث المدرج هو: ما أدخله أحد الرواة في الحديث بدون بيان
ولهذا سُمي مدرجاً، لأنه أُدرج في الحديث دون أن يبين الحديث من هذا المدرج
فالمدرج إذاً ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلّم، ولكنه من كلام الرواة
ويأتي به الراوي أحياناً، إما تفسيراً لكلمة في الحديث، أو لغير ذلك من الأسباب.
__________
ويكون الإدراج أحياناً:
* في أول الحديث.
* وأحياناً يكون في وسطه.
* وأحياناً يكون في آخره.
__________
قوله: والُمدْرَجَاتُ جمع مُدْرَج وَهُوَ لُغَة الإدخال
وفي الاصطلاح: فِي الحديثِ مَا أَتَتْ مِنْ بَعْض أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ
أي الأحاديث التي تأتِي مع بعض ألفاظ الرُّوَاة
ومعنَى اتَّصَلَتْ أَي: أنَّ الأَلْفَاظ تَاتِي مُتَّصِلةٌ بأصل مَتْنِ الْحَدِيث
وتَاتِي فِي آخر الحَدِيث وَهُوَ الْغَالِب، وقد تكون فِي الوسط أحيانًا أخرى
وتكون فِي أَوَّلِه أحيانًا، فيَقع اللّبْس بذلك
فيتوهم من لم يعرف الْحَقِيقَة أَنَّ جَمِيع الكلام مَرْفُوع لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
وعِنْدَ التَّحقيقِ نَجْد أَنَّ النَّاظم رحمه الله لَمْ يَذْكرْ الإدراج في الإسناد
فكأنَّهُ خَصَّ باب الإدراج في الْمُتونِ فقط، وهَذَا غَيرُ صَحِيحٍ.
__________
والتَّعريف الصَّحِيح للمدرج هو:
ما زيد فِي أصل الْحَدِيثِ سواء كان فِي إسنادِهِ أو مَتْنِهِ مِمَّا ليس منه.
فيكون الحديث الْمُدْرَج على قسمين:
الأول: ما أدرج فِي الإسناد
والثاني: ما أدرج فِي الْمَتْنِ.
__________
القِسْمُ الأَوَّلُ:
وهو الإدْرَاجُ فِي الإسْنَادِ
وصفته: أن يأتي الراوي فَيَدْرِجُ في إسناده مَتْنًا غَيْر الْمَتن الذي هو له.
ومثاله: مَا ذكره ابنُ القيسراني في بيان علة حديث:
«مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسَنُ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» فقال:
" وَذَلِكَ أَن شريك كَانَ مزاحًا، وَكَانَ ثَابت رجلا صَالحا
فيشتبه أَن يكون ثَابت دخل على شريك، وَكَانَ شريك يَقُول:
" حَدثنَا الأَعْمَش عَن أَبِى سُفْيَان عَن جَابر عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -
فَالْتَفت، فَرَأى ثَابتا فَقَالَ يُمَازِحُه: مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسَنُ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ.
فَظن ثَابت لِغَفْلَتِه أَن هَذَا الْكَلام الَّذِي قَالَ شريك هُوَ متن الإِسْنَاد الَّذِي قَرَأَهُ
فَحَمله مَعَ ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول شريك".
وانظر ذخيرة الحفاظ لابن القيسراني (4/ 2391) برقم (5545).

والحديث رواه ابن ماجه في السنن برقم (1333) عن إسماعيل الطلحي
عن ثابت بن موسى العابد الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان
عن جابر مرفوعا: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجه بالنهار".

قال الحاكم في المدخل إلى الإكليل ص 152: " دخل ثابت على شريك وهو يُملي ويقول:
" حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم ...
وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجه بالنهار
وقصد بذلك ثابتا، لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به "

وقال ابن حبان في المجروحين 1/ 239: إنما هو قول شريك
قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم"
فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك.

وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع "الموضوع "
وجعله شبه وضع من غير تعمد، وتبعه على ذلك النووي والسيوطي.
وذِكره في المدرج أولى وهو به أشبه، كما صنع الحافظ ابن حجر.
__________
القِسْمُ الثَّانِي:
وهو الإدْرَاجُ فِي الْمَتْنِ
وصفته: أَنْ يَذْكُرَ الرَّاوِي بَعض الألفاظِ التِي هِي غَير موجودة فِي الْحَدِيثِ فيدخلها فيه
__________
وله ثلاث صور:
الصورة الأولى: إِدْرَاجٌ في أَوِّلِ الْمَتْنِ.
ومثاله: ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد
عن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - مَرْفُوعًا: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»
انظر الفصل للخطيب (1 / 1589)

فَقَوْلُه: "أَسْبِغُوا الوُضُوءَ" ليس من كلام النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -
إنِّما هو من كلام أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -
فإن أبا القاسم قال "ويل للأعقاب من النار"

قال الخطيب: "وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه
وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم". نقله في التدريب [1/ 318].

والصحيح ما أخرجه البُخَارِيُّ في صحيحه برقم (165) فَقَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ
قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
__________
الصورة الثانية: إِدْرَاجٌ في وَسَطِ الْمَتْنِ.
ومثاله: مَا أخرجه البُخَارِيُّ فِي صحيحه برقم (3) فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
«أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ
فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ
وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ ... » الحديث.

والذي يسمع هذا الحديث يظن أن التفسير من عائشة - رضي الله عنها - في قولها "والتحنث التعبد"
فلفظة "وَهُوَ التَّعَبُّدُ" ليست من الْمَرْفُوعِ إنِّما هي من قول ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أراد تفسير: "فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ".
وهذا الإدراج يُراد به التفسير، والتفسير هنا لابد منه؛ لأن الحنث في الأصل هو الإثم
كما قال تعالى: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . [الواقعة: 46] .
وإذا لم يُبين معنى التحنث لاشتبه بالإثم ولكن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يتعبد
والتعبُّد مزيلٌ للحنث الذي هو الإثم فهو من باب تسمية الشيء بضده.
__________
الصورة الثالثة: إِدْرَاجٌ في آخِرِ الْمَتْنِ.
ومثاله: مَا أخرجه البُخَارِيُّ فِي صحيحه برقم (136) فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ
عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ قَالَ:
رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ
فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
«إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».

فهذا الحديث إذا قرأته فإنك تظن أنه من قول الرسول صلى الله عليه وسلّم
ولكن الواقع أن الجملة الأخير ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلّم
وهو قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل"
بل هي مدرجة من كلام أبي هريرة - رضي الله عنه -
والذي من كلامه صلى الله عليه وسلّم: "إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء".
أما الجملة الأخيرة فقد أدرجها أبو هريرة - رضي الله عنه - تفقهاً
منه في الحديث، ولهذا قال ابن القيم - رحمه الله - في النونية:
وأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه أولو العرفان
__________
* ويعرف الإدراج بأمور:
1 - بالنص، حيث يأتي من طريق آخر ويُبين أنه مدرج.
2 باستحالة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلّم قد قاله
وذلك لظهور خطأ فيه
أو قرينة تدل على أنه لا يمكن أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلّم.
3 - بنص من أحد الحفَّاظ الأئمة يبين فيه أن هذا مدرج.
__________
* ما هو حكم الإدراج؟
نقول: إن كان يتغير المعنى بالإدراج فإنه لا يجوز إلا ببيانه.
وإن كان لا يتغير به المعنى مثل: حديث الزهري "والتحنُّث التعبُّد" فإنه لا بأس به
وذلك لأنه لا يعارض الحديث المرفوع
وإذا كان لا يعارضه فلا مانع من أن يُذكر على سبيل التفسير والإيضاح.
وإذا تبين الإدراج فإنه لا يكون حجة، لأنه ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلّم فلا يحتج به.
__________
(فصل): في حكم الإدراج:
أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث
ففيه بعض التسامح، والأولى أن ينص الراوي على بيانه.
وأما ما وقع من الراوي خطأ من غير عمد، فلا حرج على المخطئ
إلا إن كثر خطؤه، فيكون جرحا في ضبطه وإتقانه.

وأما ما كان من الراوي عن عمد
فإنه حرام كله، على اختلاف أنوعه، باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول وغيرهم
لما يتضمن من التلبيس والتدليس، ومن عزو القول إلى غير قائله.
قال السمعاني: " من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة
وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين"
[انظر التدريب 1/ 322].

رابط دائم رابط التغريدة 8
9:24 AM - 18/10/2020

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. قصه قبل النوم
    😴قصه قبل النوم 😴 كلام رائع يغذي العقول ؛ ويهذب النفوس ؛؛؛ عامل القدر بالرضا .. وعامل الناس بالحذر .. عامل أهلك باللين .. وعامل اخوانك بالتسامح .. وعامل أصدقاءك بالمودة ... وعامل الدهر بإنتظار
  2. يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف اعراب
    يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف اعراب https://www.gotaglob.com/20497/%D9%8A%D8%AD%D8%B3%D8%A8%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%87%D9%84-%D8%A3%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%
  3. نشــرة الإخــبار الإقتصــاديـه (608) الدولار يتجه لتحقيق مكسب أس
  4. وقع في كتاب: الكامل لابن عدي الجرجاني طبعة دار الفكر (5 / 209 -
  5. جوهر الإنسان النقي لا يصدر عنه إلا النقاء والصفاء وهذه علامات ا
  6. هيبة الدَّولة وإنفاذ القانون
    كتب الدكتور منذر القضاة هيبة الدَّولة وإنفاذ القانون جُهود عظيمة مشكورة تقوم بها الجهات الأمنيَّة في فرض هيبة الدَّولة وإنفاذ القانون وتطبيقه ، وإلقاء القبض على المطلوبين ، والضرب بيدٍ من حديد لكل
  7. *مُناصَرةُ الواثِق للحمْلةِ الأَمنيّة ضِدَّ الزُّعران مِن أصحاب السوابِق:*
    مِن الأمثال العربية الحكيمة-التي أَشبَهت القواعدَ الضابطة للعلاقات بين الناسِ-، قولُ القائل: *(مَن أَمِن العقوبةَ أساءَ الأدبَ)!* ومعنى هذه الجُملةِ واضحٌ بيِّنٌ-على قلّة كلماتِها وحروفِها-:
  8. 🌃 *همسة الوتر*🌃 ‏﴿قُمِ اللَّيلَ إِلّا قَليلًا﴾ ‏ضع اُمنياتك ف
  9. ما الدروس والحكم التي نتعلمها من هذا النص
    ما الدروس والحكم التي نتعلمها من هذا النص https://www.almagswod.com/2/%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%86%D8%AA%D8%B
  10. ابن مفلح " من عجيب ما رأيت ونقدت من أحوال النَّاس : كثرة ما

بحث