الوقت المتوقع للقراءة: 07 دقائق و 39 ثانية

أي حياة ... أي حضارة .. أي معنىً للوجود #وعي #فكر

بسم الله الرحمن الرحيم
أي حياة ... أي حضارة .. أي معنىً للوجود
حوالي عام 14 وقيل 15 هجرية، وبينما كان المسلمون يستعدون لملاقة جيوش الفرس في معركة فاصلة، طلب قائد الفرس رستم التفاوض مع المسلمين، فكان ممن ذهب إليه الصحابي الجليل ربعي بن عامر التميمي رضي الله عنه، وتقول كتب السير أن ربعي دخل على رستم وحاشيته بفرسه على البُسُطِ (السجاد) الممتدة أمامه، وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد بها ذهب؛ فقطع إحداها، ومرر لجام فرسه فيها وربطه به، ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها، ووقف أهل فارس في صمت، وكذلك رستم، فقال ربعي كلمات سطرها التاريخ، بمداد من ذهب، قال : (الله ابتعثنا لنخرج من يشاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله) فقال رستم: وما موعود الله ؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى الدخول في الإسلام والنصر لمن بقي.
ربما قرأ الكثيرون منا هذه الحادثة الشهيرة، والبعض كتب في مدلولاتها ومعانيها، ولكن القلة القليلة هي من عكست تلك المعاني على حياتها اليومية، وعلى تصوراتها للهدف من الحياة، وعلى تصوراتها لتحديد الغايات والوسائل ومعرفة الفروق بينهما.
لا تتوقف عظمة المشهد على هذه الكلمات الخالدة التي عبرت عن إيمان راسخ برسالة الإسلام السامية الشاملة، بل أيضا ما فعله ربيعي بن عامر، حين داس بقدميه مظاهر الحضارة والترف والتفوق الفارسي، وكأنه يقول إن حضارتكم هذه وترفكم ومظاهرة فخامتكم، تحت أقدام الإيمان والإسلام لأنها لم تسر في هدي الإيمان والإسلام، فكل حضارة وترف ومظاهر طاغية لزخرف الدنيا ما لم تخضع للإيمان والإسلام وتكون وسائل وليست غايات، هي هباءا منثورا بل هي مصدر كل شقاء وعذاب وظلم وقهر يقع على بني البشر، وكأن ربعي رضي الله عنه، بتصرفه قال ما لم يستطع الكثير من المسلمين مجرد الشعور به وجدانيا، قال: ليست حياتكم بالمأكل والمشرب والملبس والرفاهية والزخرف والتعالي بالأحساب والأنساب، ليست قوتكم في قوتكم المادية والعسكرية فحسب، وليست سعادتكم في سعادتكم الحسية والمادية فقط، بل إن ذلك كله لا يعادل مثقال ذرة من إيمان وقرت في قلب عبد مؤمن وصدقها عمله.
ما أدركه ربعي بن عامر رضي الله عنه – بإيمانه وبفطرته السليمة – منذ أكثر من 1400 عام، لم تستطع البشرية بأسرها في يومنا هذا، ورغم كل التقدم والحضارة والتفوق العلمي الساحق، الذي تعيشه، لم تستطع إدراكه، فضلا عن سبر معانيه.
الحقيقة أن ما قاله وفعله ربعي بن عامر رضي الله عنه ليس اجتهادا فرديا، وليس نتاجا لفلسفة مثل فلسفة الإغريق أو كتابات الرومان، أو بقايا حضارات البابليين والآشوريين وكل الحضارات الغابرة الأخرى، ما قاله ربعي هو ببساطة (الدين) ذلك الدين الذي جاء به كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ذلك الدين الذي هو الصراط المستقيم، ومنهج الحياة الوحيد القويم، الدين الذي كتبه الله تعالى على بنى آدم بقدره منذ الأزل، منذ لحظة الوجود الأولى، ومنذ قال تعالى : (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (123-124) سورة طـه.
ورغم سهولة هذه المعادلة وبساطتها الشديدة (إما اتباع الهدى أو الإعراض عنه)، فإن المسلمون في عالمنا المعاصر، بعيدون كثيرا عن فهمها فضلاً عن تطبيقها في واقعهم – إلا من رحم الله -.
فمنذ ما يُعرف بحركات الاحتلال (الاستعمار) الغربي لبلدان المسلمين، وتحديدا منذ سقوط الأندلس 1492م، والعالم المسلم عاش ويعيش صدمة حضارية كبيرة، زلزلت أركانه وقناعاته، وقد كتب الكثير من المفكرين والعلماء المسلمين وغيرهم عن مظاهر هذا الانهزام الحضاري الشامل الذي تعرض له المسلمون، بحثوا وحللوا واستنتجوا ووضعوا التصورات والحلول، وبالفعل خرجت العديد من الكتابات والمؤلفات القيمة والمعتبرة في هذا المجال، إلا أن الواقع كان يسير إلى اتجاه أشد قسوة ومرارة وإنهزامية، بسبب عوامل كثيرة جدا داخلية وخارجية، منها عامل مهم جدا يتعلق بمن يفترض أنهم الغيورين على الدين وحماته، إنهم العلماء وطلبة العلم والمجاهدين والمنفقين وكل من ينسب نفسه أو ينسبه الأخرون لما تسمى فئة "الإسلاميين".
حتى "الإسلاميين" في حركتهم في الحياة – بالإضافة إلى اختلافهم وتفرقهم وتحزبهم- لم يدركوا حكمة ربعي بن عامر رضي الله عنه جيدا، لذا فإن معظم إن لم يكن كل الجهد المبذول في كافة ميادين الحركة الإسلامية (العلم – الجهاد – الإنفاق) جاءت كردود فعل، وأصبح حال المسلمين ومنهم "الإسلاميين" كحال الطالب الفاشل، كل أمانيه أن يرسب في مادتين فقط بدلا من ثلاث، أو في ثلاث بدلا من أربع، وهكذا، مجال الحركة ما زال دون الصفر، فحتى الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، والذي يحاربه العالم بكل ضراوة بذريعة الإرهاب، حتى الجهاد أصبح في حياة المسلمين يشير إلى حالة سلبية، فبدلاً من أن يكون مثلما كان في الرعيل الأول والقرون الأولى للمسلمين وسيلة لنشر دين الله وللدعوة ولإقامة العدل في الأرض (جهاد الطلب)، انتقل حال المسلمين معه ليكون في أفضل الأحوال جهاد دفع فقط، لا يكاد يلحق بسلسلة الكوارث والنكبات والنكسات المتوالية والمستمرة في حياة المسلمين التي أراقت دمائهم واستباحت حرماتهم وأذاقتهم الذل والهوان، حيث لم يفتح المسلمين شبرا واحدا من الأرض من أربعمائة سنة تقريبا، وفي هذا تعطيل لوسيلة مهمة من وسائل الدعوة ومن وسائل إنقاذ البشرية ككل من ظلمات الظلم والتجبر والإفساد في الأرض، هذه الوسيلة التي عبر عنها ربعي بن عامر جيدا في حديثه.
انهزم الفعل الإسلامي لدى النخب الإسلامية، أمام طوفان الحضارة الغربية المادية الطاغي، وأمام اتباع حياة الكافرين وأفكارهم وتصوراتهم وقيمهم، التي استغلت في فرضها على الناس ما وفره التقدم العملي التطبيقي والمخترعات الحديثة من حياة سهلة مرفهة مترفة خاطبت في الإنسان غرائزه وشهواته، وجعلته منفصلا تماما أو جزئيا عن العالم الآخر (عالم الإيمان بالغيب).
تأخرت جهود النخب الإسلامية، لأنها وقعت في فخ المواجهة غير المتكافئة، عندما واجهت حضارة الكفر والإلحاد والنفاق بنفس أسلحتها وفي ميادينها المفضلة، عندما حاول البعض إن لم يكن الكثير الدفاع عن الإسلام من خلال الترويج له كأي فلسفة أو فكرة أو أيديولوجية بشرية أخرى، عندما كان هم الكثيرين إثبات أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية أو الحداثة أو حقوق الإنسان والمساواة (بالمفهوم الأممي) أو بأي مصطلح آخر يرتبط بمجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، ذات التوجه والطابع العلماني.
تأخرت جهود النخب الإسلامية، عندما نزعت من الإسلام صفته الأساسية وهو أنه (دين)، فالدين مختلف تماما عن الفلسفة أو الأيديولوجية أو النظرية المجردة، الدين منهج شامل يربط الأرض بالسماء، يربط الزمان الحاضر (الدنيا)، بالزمان القادم (الآخرة)، يربط عالم الغيب بعالم الشهادة.
الدين يعني: الاستقامة، الإيمان بالحياة بعد الموت، بوجود الجنة والنار، الثواب والعقاب، الدين يعني الإيمان بالخلود الأبدي إما في دار النعيم وإما في دار الشقاء.
لكل ما سبق فإن بداية تصحيح مسار النخب المسلمة ومن ثم المجتمعات المسلمة ككل هو استشعار معني ما قاله ربعي بن عامر رضي الله عنه في ختام حديثه مع قائد الفرس عندما سأله: ما موعود الله؟ فقال ربعي: الجنة لمن مات على قتال من أبى الدخول في الإسلام والنصر لمن بقي.
إذا ليست المسألة مسألة رؤى اقتصادية أو أهداف تنموية، وليست مرتبطة بارتفاع دخل الفرد من الناتج الإجمالي، ليست بمعايير الرفاهية والترف، ليست بمعايير كم يملك الفرد من أموال وعقارات وسيارات، وماذا أكل وأين سافر للسياحة، وأيضا في المقابل ليست في كيفية تحقيق أبسط أحلام الشعوب المسلمة المسحوقة المقهورة التي تبحث عن فتات العيش، وتعيش حياة بائسة تعيسة تحت القصف أو في خيام اللاجئين، لأن الأمر ببساطة هو أنه إذا استقام الأصل استقامت معه بالتبعية الفروع، إذا استقامت حياتنا على الإسلام بمفهومه الشامل الكامل (كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم جميعا)، ستستقيم تلقائيا حياتنا الاجتماعية والأسرية والاقتصادية والسياسية والعلمية وفي كل المجالات الأخرى، رغم كيد الكائدين ومكر الماكرين ونفاق المنافقين والحرب التي لا هوادة فيها على الإسلام وأهله، لأن النصر وقتها سيكون مضمون تماما لأنه وعد الله تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ (11) سورة محمد.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
سبحانك الله وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

رابط دائم رابط التغريدة 68
6:03 PM - 24/11/2021

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. نشرة ٱخبار العروض والتخفيضات (318) العروض والتخفيضات ١٦ شوال- ١
  2. 🌃 *همسة الوتر*🌃 ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة
  3. قصه قبل النوم
    😴قصه قبل النوم 😴 يقول عمي جابر لايوجد حلاق.. كنا نستعد للعيد بالحلاقة وتسمى دِبعة فلان يتدبع وفلان يدبع بلا ماء.. كان يدبعون لنا اما بموس في قصبة او مدبعة وهي شفرة صغيرة بعد الدبعة يظل الدم يه
  4. كشف الوجه
    *انتشار كشف البنات للوجه في الأسواق والمنتزهات والمطاعم والمستشفيات والمراكز والأماكن العامة* *وهذه مشكلة كبيرة لم يكشف الوجه فقط بل تعداه الى اخراج جزء من الشعر واظهار الساعدين والقدمين والساقين ب
  5. العشوائية الفكرية أثر طبيعي ناتج عن ضياع البوصلة الايمانية والفرا
  6. رحم الله #شيرين_ابو_عاقله رمز لفلسطين ونجمة للقدس لطيفه الجامع / ام د. عبدالرحمن بن عبدالله الباكر سلمت يداك و لا فظ فوك يا ام الدكتور
    شيرين يانجمة القدس مهلا .. أين سائرة لمن تركت شباب القدس؟ ..محتار؟ يانجمة القدس .. أين الصوت ياعربا أنا شيرين ..أنادي ..من هو الجار إني نذرت النفس ..لا أرجو لها فخرا لكن شعبي ضاعت منهم ..الدار
  7. ‎في حياتك راح تلتقي في نوعين من البشر بعد ما يدخلون حياتك و يوهمو
  8. العقود التي يجب تجهيزها قبل البداء في مرحلة التشطيبات
    -المصمم الداخلي (يفضل قبل مرحلة العظم ايضا) -مشرف او مكتب هندسي للاشراف على التشطيبات -اعمال الكهرباء والسباكة (يفضل قبل مرحلة العظم ايضا) -شركة مصاعد (لايقل طول وعرض غرفة المصعد عن١.٨٠*١.٨٠) -شرك
  9. مازالت تذكرتي تعج بتاريخ الحادي عشر من مايو أيار تاريخ نصر ع الإر
  10. ** اجـنُـبْ فـؤادك **
    هذا لَعَمْـــــري ما جَنتْـــــهُ يـــــداكَا أضحى الأســى لا يبتغـــــي إلاَّكَا حيـــرانُ والعينـــــانُ شـــــاردةُ الرؤى والعبرةُ الحــــرّى تهـــــزُّ حَشَــاكَا هذا جنـــاكَ مريــــر

بحث