الوقت المتوقع للقراءة: 16 دقائق و 40 ثانية

#الاختيارة_الٵخِرة


[الجزء الأول]

▬ #توطئة_مؤسسة:

▬ #نقد_المَنْبَإ [#مخرجِ_النبإ_ومجيىٕه]: #Source_criticism

اعلم _لا زلت حُوَّلًا ذا مشيئة، ودرّاكةً زِمِّيتًا، وحِدِّيثا مبينا، وأُسْطُونًا رأسًا، وإماما فخما_ أنَّه من يكن ذا حُنْكة، ويكن له مُسْكة من لب، ويكن لِسَكاىٕنه وطمأنيناته نواىٕب من شك وحك، فأنه لا يستنيم إلى نبإ، ولا تثلج به نفسه، إلا بنقد مخرجه ومجيىٕه، وإلا بنقد وثاىٕقه وشهداىٕه، وإلا بنقد حُمَّاله ورواته، ليكون ذا خُبْر بمتماسكه ورديىٕه، وبمستسقمه وبريىٕه، ومن أُسُس النقد ومبادىٕه وأركان أصوله أن ما يُؤنِسُه الإنسان مما له حجم ونُتُوٌّ، وحسيس وبُدُوٌّ، كمومياوات إيقبطِيا، ورُقُم ءاشوريا، وفسيفساوات روما، وأواوين ءال ساسان، ومساند يمنات، ومصاحف الجَزْم الأُوَلِ الرءوسِ الأىٕمةِ، أبلغ في إقامة الحجة، وفي جلب التسليم، وفي إيئاس الخصم، وفي إبئاس الشكس، من ❜حدثنا فلان عن فلان❛ وأن ❜حدثنا فلان عن فلان❛ خير وأحسن من ❜حدثنا فلان عن فلان عن فلان❛... وهكذا دواليك، وأنه كلما كان الشهداء ءاكد عناية، وءانس حواسَّ، وألصق بمكان النبإ، وأقرب إلى زمان الكاىٕنة، كانوا أصدق وأوثق، وأنبل وأكمل، وأنه كلما كانوا أميل إلى الهوى، وإلى تحصيل حظ الأنفس، كانوا أفحش خطئا، وأكذب رواية، وأعق زُورا، لأن من مال إلى الهوى أوشك أن يجتنب الحق، ومن اجتنب الحق أوشك أن يُصَدَّ عن السبيل، ومن صد عن السبيل أوشك أن يستحسن الظن، ومن ظن أوشك أن يستحسن الكذب _والظن فرخ الكذب_ ومن كذب جرحته الأطبة، واستسقطته القساطيس، فخذ حِذْرك، واحبس حُرَّك، ولا تصطد به في الضباب، ولا تسكن إلى أحد إلا بوثيقة، ولا تطمىٕن إلى رواية امرىٕ إلا بعد أن تعرضها على رواية من يُشاحنه، ومن لا يزال لسانه رطبا بثلبه وكسر ناموسه، وإلا بعد التربص والروية، لتستخلص الحق من بين الزواىٕد والنقاىٕص، ومن بين الدساىٕس والقصاىٕص.

▬ #نقد_النص (من تحتُ): #Textual_criticism

● اعلم أن النَّسَّاخ _وإن كان مُحَكِّكا غاية، وذا مكنة داربا، ومَحَّاءا مُسوِّدا، ورب أدوات وأسلوب_ فأنه كاىٕنة له أَحْرُفٌ زاىٕلة عن جهة الصواب إلى ناحية اللحن والخطإ، وكاىٕن له فيما يستنسخه ويُوَرِّق عليه من الكتب الأُوَل، ومن الأصول الأىٕمة، شيء من خُلْف، وشيء من بينونة، ودع عنك طفيلية النُّسَّاخ الذين يؤثرون التمشية، وتتموه عليهم التهجية، وتكذبهم أعينهم، وتخونهم ءاراؤهم، ويطمسون حقاىٕق الكلم بمخاريق القراءات، ولا يحفلون بالتصحيف، ولا يبالون بالإسطار، فأولىٕك سراطين موىٕسة، وبأساوات مصبوبة على أصول الكتب، فإذا كان ذلك كذلك، وأمست النُّسَخ الأىٕمة الرءوس الأُوَل شبوبا للكوانين والحراىٕق، أو أُكْلة للسوس في الخزاىٕن، أصبحت حاجة النص المنتسخ إلى نقد يكون له كالطبيب، يدير متنه على ظفره ليستبين اعوجاجه، ويحكم تثقيفه، ويكون له كالحَكَّاك، يولجه الكِير، ويكشط عنه خبثه، ولون صدىٕه، ويكون له كالساىٕس، يُدَبِّر جثمان كلمه، وكالمهندس، يضبط سياق جمله، وكالجاسوس، ينم على مواضع أحرفه، وكالنَسَّابة، يصل رحم نُسَخِه، فيستتم نقص بعض بكمال بعض، ويضرب على الظنين بالمحكم الوثيق، ويلفق الصحيح بمثله وبنسيبه، والمستقيم بمؤازيه وبمُساويه، عظيمة وفوق العظيمة، وماسة وأكثر من الماسة، ولولا ذلك النقد، ولولا حسن التأتي به إلى النص، لكان هذا الٵخَر، خديجا رخو الشق، ومسخوطا مخلخل السبك، وما تمكنا من إبراز نسخة منتقدة منه، هذا، وبين نقد النص وعلم #قص_الألسنة، وبينه وبين علم #التوقيف_والاستخراج وشاىٕج ومواتُّ، وعَلَق ورباطات، ويسمى نقد النص أيضا #نقد_النص_من_تحتُ، وبإزاء ذلك فإن له أخا توءما يكمله، وهو #قص_النص أو #نقد_النص_من_علُ ووظيفته تحرير عنوان الكتاب، وتحري صحة نسبته إلى مؤلفه، وتحقيق مكان تأليفه، وما يتعلق به من تأريخات وكواىٕن... في أمور كثيرة.

● هذا، ولم يترك جُرءاء الشَّكَّاكين، والمُتَدَهِّرون من أهل الكتاب، قرطاسة ماحَّة من التوراة في تابوت، أو شظية مهترئة من الأناجيل في كِلْواذ، مما وجدوه في الكناىٕس والمداريس، وخزاىٕن القساوسة والربيين، إلا وعرضوها على النقد، فاستخرجوا أحرف البينونة، واطَّرحوا الظنين، وما له حكم الألاحيق، وما له حكم الدسيس، وأبرزوا نسخا منتقدة، وحين عثروا على الطروس الصنعانية سنة 1972 ۢ، واستطاعوا استخراج النص الممحو _وكان في بعض مواضعه احريراف عن النص الظاهر_ حسبوا أنهم هجموا على كَشْفة في القرءان، فنصبوا له المِنْقَدة، وأضمروا له البواىٕق، والتمسوا تخطيئه، ولقد غفلوا عن أن المشيخة الأُوَل، والأىٕمة الحكيمة، قد كفونا مؤنة هذا، ولقطوا شوكه دوننا، وهذا أبو العلاء المعري حين قيل له عن أحد كتبه: أين هذا من القرءان؟ قال: ❞لم تصقله المحاريب أربعَ مئةِ سنة❝ فالقراءات والروايات والطرق إنما هي نُسَخ منتقدة اختيرت بنقد النص من تحتُ ومن علُ، وبقص الألسنة، وبالتوقيف والاستخراج.

● هذا، وإن أول من نقد نص القرءان، وحك عنه ما ليس منه، إنما هو رسول الله ﷺ وذلك حين أزعج أبيا وابن مسعود من أجل القراءة، فشخصا إليه، فتلا هو على الأول سورة البينة، وتلا عليه الٵخر شيئا من سورة النساء، وكان ذلك منه كالمشورة، وكالمؤامرة، وكالتوقيف، وكاستخراج الخبيئة، وكالمحاسبة، وكالتخويف من سوء الخواتيم، وكالتحذير، وكان ذلك كله في صورة إيماء وكناية، وفي صورة إشارة وتورية _وإن ظهر في دواوين الروايات في صورة أخرى_ وهذا ما سأبينه وأمزق عنه كيس الإتكيت في شق صدإ الروايات من هذه الأكتوبة، ثم لما استخلف ذو النورين، وكثر الضجيج له من حفظة القرءان بالأفىٕدة من دون وثاىٕق ولا أزِمَّة، وكثرت من أجل ذلك الرفاىٕع إليه، وشُقَّت القمصان بين يديه، استنسخ صحف حفصة _ولتبق هذه على ذكر منك، فإن لها حديثا_ وأمر بطمس ما أملَّه الحفظة، ولم يسلموا فيه من استنزاف الزمن، وكانت فيه بينونة وأحرف، ولا سيما أحرف أبي وابن مسعود _وليبق هذا أيضا على ذكر منك، فإنه مهم، ومحتاج إلى كفاية_ ولو لم يحدث هذا باكرا منذ عهد النبوة لوجدنا في الأمة قرءانات لا قرءانا واحدا، وهذا لم يحدث قط، لأننا لا نجد في الدنيا إلا سواد مصحف واحدا من مشرق الأرض إلى مغربها، وهذا يدل على أن نقد النص إنما بدأ من لدن أول الأمة، ثم بدأ الصقل في أربع المىٕين المومإ إليها من جهة المعري، وكان مؤداه قراءات كثيرة وروايات وطرق، منها ما يُقْرَأ به إلى اليوم، ومنها ما درج وانقرض، ووجود تلك الاختيارات دليل على خسة أنصباء الأسانيد في نقل القرءان في صدر الإسلام، لأن الأسانيد إنما اُسْتُحْدِثت لتتبع الكلام الشفهي، والقرءان مكتوب صحفي، ولأن الأسانيد لا يسوغ معها الاختيار، وإنما صحت أسانيد القرءان واستقامت من لدنا إلى أصحاب الاختيارات المشهورة، وقد استحدثت فيه بأخرة محاكاة لأسانيد الحديث، وأما ما فوق ذلك فإنه مشمول بالتوضيح الٵتي عن أسانيد المئة الماىٕتة.

● وإذا نقدنا نص الأىٕمة الرءوس من المصاحف الخمسة، بعد استقراء ما بين أيدينا من القراءات، وبعد اطِّراح ما يشمله الاحتمال، وجدنا ستة وثلاثين حرفا مما له جثمان في الرسم، وشخص في سواد الكتابة، وإذا نظرنا في هذه الأحرف نظرا نِعِمَّا، وجدنا أن المدني والشأمي يختصان دون ساىٕر المصاحف بأحرف ليست في هؤلاء الدُّنَى، ثم يختص الشأمي دون المدني بأحرف ليست في هذا الأدنى، وتفسير ذلك أنه إنما نسخهما كاتب واحد، وأنه إنما نسخ الشأمي من المدني، وأما بقية المصاحف، فلكل واحد منها أحرف ليست في غيره _اللهم إلا الحرف والحرفين من المشترك_ ولكل واحد منها كاتب، فإذا كان ذلك كذلك، كان لنا أن نترجم تلك الإشارات المُومِئَه بأنه إنما نسخ الحجازيان والعراقيان أولا، ثم أرسل الجميع إلا المدني، فإنه مكث، ونسخ منه الشأمي، ثم أرسل هذا ءاخرا، وهاؤم الأحرف وءايها:

01. [ٯالوا|وٯالوا] . (البقرة: 116)
02. [واوصى |ووصى] (البقرة: 132)
03. [سارعوا|وسارعوا] (ءال عمران: 133)
04. [وىالرىر وىالكىاٮ|وىالرىر والكىاٮ|والرىر والكىاٮ] (ءال عمران: 184)
05. [ٯلىلا|ٯلىل] (النساء: 66)
06. [ىٯول|وىٯول] (الماىٕدة: 53)
07. [ىرىدد|ىرىد] (الماىٕدة: 54)
08. [وللدار|ولدار] (الأنعام: 32)
09. [اىحىىا|اىحىىىا] (الأنعام: 63)
10. [سركاوهم|سركاىهم] (الأنعام: 137)
11. [ىدكروں|ىىدكروں] (الأعراف: 3)
12. [ما|وما] (الأعراف: 43)
13. [ڡال|وڡال] (الأعراف: 75)
14. [اىحاكم|اىحىىكم] (الأعراف: 141)
15. [ىحرى مں ىحىها|ىحرى ىحىها] (التوبة: 100)
16. [الدىں|والدىں] (التوبة: 107)
17. [مىها|مىهما] (الكهف: 38)
18. [مكىى|مكىىى] (الكهف: 95)
19. [اولم|الم] (الأنبياء: 30)
20. [للـه... للـه|اللـه... اللـه] (المؤمنون: 87... 89)
21. [ىىرل|ىرل] (الفرقان: 25)
22. [وىوكل|ڡىوكل] (الشعراء: 217)
23. [لىاىىىى|لىاىىىىى] (النمل: 21)
24. [ڡال|وڡال] (القصص: 37)
25. [عملىه|عملٮ] (يس: 35)
26. [ىامروىى|ىامروىىى] (الزمر: 64)
27. [مىهم|مىكم] (غافر: 21)
28. [او ان|وان] (غافر: 26)
29. [ىما|ڡىما] (الشورى: 30)
30. [ىسىهىه|ىسىهى] (الزخرف: 71)
31. [حسىا|احسىا] (الأحقاف: 15)
32. [دو|دا] (الرحمن: 12)
33. [دى|دو] (الرحمن: 78)
34. [وكلا|وكل] (الحديد: 10)
35. [الله هو العىى|الله العىى] (الحديد 24)
36. [ولا|ڡلا] (الشمس: 15)

● #صحف_حفصة: أرأيتك من يأمر المستسلف والمقرض بكتابة صورة الدين في صك، وبالتماس كاتب عدل حاذق، وبإحسان الإملال عليه من جهة المستسلف، ومن لا يصف كلامه إلا بالكتب والصحف، وإلا بالرسالات والزبر، وإلا بالألواح والنسخ، أيغفل رسوله بعد ذلك عن كتابة كلامه، وعن تخليد رسالته في الصحف؟! فإذا كان ذلك كذلك، وكان معه قول الملك الحق: ❜رسول من الله يتلو صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة❛ وقوله: ❜ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين❛ علمنا أن رسول الله _ولا ريب_ ءامر بكتابة القرءان في صحف مطهرة في حياته شيئا فشيئا، ومنجز ذلك قبل موته _بأبي هو وأمي_ ولا بد من أن نشحذ المسئلة عن هذه الصحف: أين كانت تحفظ في حياته؟ وعند من بقيت بعد موته؟ وماذا حل بها؟ وإلى أين كان مصيرها؟ ولم جمع زيد القرءان من العُسُب والرقاع واللِّخاف وصدور الرجال إن كانت موجودة؟ والذي أنتحله وأومن به أن صحف حفصة إنما هي مجموع أمالي الرسول المكتتبة له في إضمامات من صحف متفرقة، وهي نسخته من القرءان، وهي المقصودة بقوله تعالى: ❜رسول من الله يتلو صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة❛ وكانت بعد وفاته متفرقة في بيوت أمهات المؤمنين، وكبار الصحابة، فجمعت من جهة زيد ابن ثابت، بأمر من أبي بكر، ومشورة من عمر، ثم أودعت بيت حفصة، ثم لما عادت القراءات المعتمدة على حفظ الأفىٕدة إلى الظهور في زمن عثمان، استنسخ تلك الصحف، وأرسلها إلى الأمصار، وشدد النكير على المخالفين، وربما كان مصحف عثمان الإمام هو المصحف المكون من تلك الصحف نفسها، والله أعلم.

● #الطروس_الصنعانية: اعلم أنه إذا كنت غواص نكت وحكاكات، وترجمان رموز ومومئات، ونظارا في اللطيف، وفي لطيف اللطيف، فأن أحرف هذه الطروس لن تخرج عندك عن أحد هؤلاء: إما حرف حُذِف سهوا، وإما حرف زِيد ظنا، وإما حرف استُبدِل به كُفُؤه، وإما حرف زُحزِح عن موضعه، والمعاني في كل ذلك لا تتغير البتة، وأنه إذا كان ذلك كذلك فأن سببه المؤدي إليه، والموجد له، إنما هو سوء حفظ المملي من جهة السهو والنسيان، أو من جهة الشيخوخة والاستسنان، وأنه إذا كان هذا هكذا فأنه لن تخرج تلك الطروس عن أن تكون إملالا من حفظ أحد الصحابة الذين غادروا المدينة: إما لجهاد ، وإما لولاية، وإما لتجارة... في أمور كثيرة، واستقروا في اليمن، ثم لما أمر ذو النورين بطمس ما أملي من الأفىٕدة طمست، وكتب عليها النص الإمام وفق دستور الجماعة.
ومن مثالات الحذف في تلك الطروس:
1. حتى يقاتلوكم (فيه)
2. ولا تحلقوا (رءوسكم)
3. من صيام (أو صدقة) أو نسك
4. البينات (بغيا بينهم)
ومن مثالات الزيادة:
1. ويكون الدين (كله) لله
2. عن الشهر الحرام (وعن) قتال فيه
3. إنا (معكم) منتظرون
4. فإن تولوا (عنك)
ومن مثالات الاستبدال بالحرف:
1. [فبعث|فأرسل] الله
2. [وجلت|فرقت]
3. من كل [فرقة|أمة]
4. في قلوبهم [مرض|رجس]
ومن مثالات الزحزحة عن الموضع: ولم أكن [بدعاىٕك رب|رب بدعاىٕك]
واعلم أن لو أحضرنا حافظا جلدا لكتاب الله، ثم أبعدناه عن المصاحف سنوات، ثم أمرناه أن يملي مصحفا أو أن يكتبه، فأنا _ولا ريب_ واجدون في ذلك المصحف أحرفا كمثل أحرف الطروس.

▬ #مبدأ_النواة_والصدإ:

● المئة الماىٕتة: اعلم _وقيت الحزَّازاتِ من الوساوس_ أنه إذا أردت أن تثبت اتصال الأسانيد في المئة الأولى من سِنِي تأريخات الإسلام على صورة تورث قلبك ثلج اليقين، وتحسم عنك ثؤلول الشك، فأن المؤنة ستكون باهظة جدا، وكئودا إدًّا، لأن الاتصال يوجب أن تبدأ تربية الإسناد في هذه المئة، وهذا يوجب أن تكون طبقات هذه المئة عليمة بطاىٕلة الأسانيد، وأنها سوف تكون عظيمة بعد ذلك، وهذا كله مريب موسوس، لأنه من لطيف اللطيف، ومما لا يفطن له إلا الٵمن الفيلسوف، وهؤلاء كانوا أفرغ أفىٕدة، وأملأ أزمنة، من أن يتوغلوا هذا التوغل، ويتغلغلوا هذا التغلغل، لأنهم خواطرهم كانت منقسمة على كُرَب عظيمة، وكانوا كما قال الأول:
... إذا خطرت دارت به الأرض قاىٕما
إذ كانت هذه المئة مئة ضَرَّاوات ومحن، ومئة زلازل وفتن، كمثل فلتة السقيفة، وكمثل ردة المتنبىٕين ومَرَدة الأعراب، وكمثل فتكة ذؤبان الثورة بالثالث الكريم عثمان، وكمثل محذورة الجمل _وما أدراك ما محذورة الجمل!_ وكمثل ملحمة صِفِّين _وبئس الملحمة هيه!_ وكمثل أزمة التحكيم من جهة الخوارج، وكمثل كارثة المنجنيق من جهة الأموية... في أمور كثيرة، ومع كل أولىٕك الضَّرَّاوات، وكل أولىٕك المحن، كان ثَمَّ عدو ذو مخاليب، بينهم وبينه بازارات أسلحة وحداىٕدات، ونخاخيس رقيق ورقاب، فإذا كان ذلك كذلك، لم يكن الاتصال ممكنا عند من قال به إلا بالمجازفة والظن، وإلا بالحزر والتخمين، وإلا باستراحة النيات إلى الإغضاء، وإلا بمسامحة أرباب الزواىٕد والتدليس، ولم يدون في هذه المئة إلا نص فذ منماز أحد، عبر المحنة، وبلغ الساحل، وانعقد الإجماع عليه، وهو القرءان، وإن تواتره واطراد سيرورته بين الناس كان بمعزل عن الأسانيد والمشافهات، لأنه إنما تواتر بكتابته منذ أملَّه رسول الله ﷺ في الصحف المطهرة، وقد جُمِعت تلك الصحف بعد وفاته ﷺ، وأُودِعت بيت أم المؤمنين: حفصة ابنة الفاروق، ثم نُسِخت في خمسة مصاحف، وأُرسِلت إلى الأمصار، ونُسِخ عنها مصاحف أُخَر، وهكذا دواليك، ولم تزل مصاحف القرءان في زيدودة ونماء، وتوالٍي واطراد، وانتشار وذيوع، يُنسَخ بعضها من بعض، ويُقابَل بعضها على بعض، حتى امتد حبله، واستحكم فتله، وصح تبليغه، وقامت الحجة به، وانقمع الشاكُّ فيه، وانخذل المنكر له، ولم تنقطع المصاحف في الأمة منذ النبوة حتى يوم الناس هذا، وقد زعم أُغروب من الأصولية، وطاىٕفة ممن حُمِّلوا القرءان، أن التواتر إنما سبيله الأسانيد والمشافهة والتلاوة حَسْبُ، وهذا برهان ركيك، ومشكل بهيمة، ومنفعة الاحتجاج به، أَخَسُّ من مؤنة الاحتجاج له، إذ لا يمكن أن يقع التواتر بالأسانيد إلا في بضع طبقات، فما مَثَلها إلا كمثل البَنْكامات (الساعات الرملية) تتسع، ثم تضيق حتى تكاد تنقطع، ثم تتسع مرة أخرى، وليت حِسِّي: ما الحيلة في ذلك الجزء الضاىٕق؟! هذا، وإن الأسانيد مضبوطة مُلْتَىٕمة، وسَوِيّة مستقيمة إلى أصحاب الاختيارات من المشيخة، وأما ما وراء ذلك فإنه من غيب المئة الماىٕتة، ولا ضير في هذا، لأن سوادات المصاحف قاىٕمة، ولأن أىٕمة الصلوات من الصحابة كانوا يتلون القرءان في المحاريب، ويتلقاه الناس عنهم، وكان لكلٍّ الخِيَرة: يأخذ ويذر، وإن اختلج شك، والتبس حرف، كانت المصاحف حكما، وإذا كان ذلك كذلك، كانت الأسانيد للقرءان كشحم السمن والجمال.

● نقد الإسناد: اعلم أنْ لن يكون الإسناد شيئا يمسكه اللب، ويطمىٕن إليه البال، إن لم يُتَخَيِّلِ ابتداؤه من علُ، وذلك بتلقين من تُنْصَب إليه الرواية، وتنسب إليه الحكاية، لمن يليه _على إدراك منه لمبدإ الإسناد، وإرادة لاستمراره، وتوصية بتسلسله_ ثم بتلقين من يليه لمن يليه _على إدراك منه وإرادة وتوصية أيضا_ ثم بتلقين الٵخر فالٵخر، وهكذا دواليك، في طبقة طبقة، وفي قرن قرن، وإذا كان هذا هكذا، فإنه لن يستبين أصل الحديث، ولن يصح مخرجه إلا إذا كان رأس السند مدركا أنه أول حلقة في سلسلة إسناد أريد لها الاتصال والاستمرار، أما أن يبدأ السند من أسفله شفهيا، ثم تتم له استقامته صعودا بإدراك وإرادة وتوصية من لدن ءاخره إلى أوله، فهذا مما لا يشتفي به من يحب أن يتخلص إلى كيمياء الخصوصية، فإذا كان هذا هكذا، عُلِم أن ما يمكن درسه بئالة المحدثين، وأرباب السؤالات، وأولي البحث الفاىٕق في الدقاىٕق، إنما هو السند القاىٕم بين طبقات المدونين، إذ لا يتحقق ذلك الإدراك، ولا تلك الإرادة، ولا تلك التوصية، إلا ثَمَّ، أما ما فوق ذلك فلا تطمىٕن إليه البداىٕه، ولا تستنتجه مزاجات القراىٕح، لأن إثبات الإدراك والاتصال فيه ليس إلا أمنية، وليس إلا شهوة، لأن شأن السند لم يتشادد ويتسادد إلا حين فشا التدوين بعد انقضاء المئة الماىٕتة، فملسته المشيخة، وكسته الأبهة _وكان قبل ذلك ركيكا لأن الناس كانوا في ناحية عن طاىٕلته_ فصار هو الٵيين الأول، والديدن المسلوك، وعَلَم العِلْم، وراية مملكته، واعلم كذلك أن نصب مؤسسة الجرح والتعديل من الأسفل إلى الأعلى وصولا إلى هذه المئة، كتشييد برج من الأعلى إلى الأسفل، وهذا من جنس المحال، ومن نفس أغروبه، والهاجس بإزاىٕه يذهب ويجيء ولا يطمىٕن، ولذلك فإنا لن نَتَسَخَّر لمشيخة كار الحديث إلا إذا أثبتوا لنا أن رسول الله ﷺ كان هو المدرك، وهو المريد، وهو الموصي بنقل جملة من حديثه لمن بعده، وأنه هو مؤسس هذا الأسلوب، ومطلق هذا الشؤبوب، وهذا لم يحدث البتة، بل لو أراد ذلك لأمر بتدوينه في إبانه وأوانه، لأن صحيفة مكتوبة بين يديه، خير من مئة سند موصل إليه.

● ويشبه هذا ويؤازيه تلقين جد كابر نسب أرومته لذريته، ولا سيما من تكون أرومته ذؤابة من الذؤابات الكريمة، ويكون ذا حسبٍ مُصاص، وتكون له بحبوحةُ من مجدٍ، وحال جميلة، فإنه سيكون _والشأن كذا_ عليما بطاىٕلة التلقين في حفظ ذلك كله، وسوف يستنسب لأبناىٕه، وسوف يوصيهم: أن استنسبوا لأبناىٕكم، وأوصوهم بما أوصيتكم به، وهكذا دواليك، وبذلك تستمر سلاسل الأنساب قرونا كثيرة، لأن الإدراك بدأ من عل، وما ضاع نسب إلا لأن جدا كابرا فقد ذلك الإدراك، وذلك الحرص على التلقين والتوصية، فإذا انقضت طبقة أو طبقتان، ضاع النسب، وانقطعت السلسلة، ولو كان تتبع الأنساب ممكنا من الأسفل ما أضاع أحد نسبه قط.

● ومن أجل هذه المئة الماىٕتة نبت في ميدان الحديث طاىٕفة أخذته من فوق، وأخلدت فيه إلى التحكم، وأجرت معه كل حيف، وركبت إليه الجنايات، وأدخلت عليه المحن، وهم الشواختة المدارية Common-Link Theory الذين يرون أن الراوي المشترك الذي تلتقي عنده أسانيد الحديث هو الذي وضع متنه، ثم لفق له سندا من عند نفسه، ونَصَبه إلى رسول الله ﷺ هكذا بتًّا قَطًّا، وهذا كلام لو نظر الظلم إلى نفسه في مِرءاة لرءاه، وليس فيه من راىٕحة الحق إلا أن إقامة الحجة على اتصال السند فوق الراوي المشترك عسرة مستصعبة، وفيها من المؤنة ضرب لا يمكن القيام به على وجهه، لأنه من غيب المئة الماىٕتة.

● ودع عنك كل هذا، واعمل على أن الأسانيد متصلة، واجسس الرواة جس أرباب الكار، وانظر: أيسلم لك _حينىٕذٍ_ سند ليس فيه راوٍي مختلف فيه، يمكن جرحه إذا حُكَّ عنه باىٕنه، وفوتش باطنه، ونوقش ناموسه؟! فإذا أوتيت رحابة منطق، وحب جدل، وطول لسان، استطعت أن تلعب بالأسانيد لعب السنور بالفأر، وانظر _إن شئت_ في مفتتح الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، وقد صدره البخاري بحديث "إنما الأعمال بالنيات" وفي إسناده "أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الحارث ابن خالد التيمي المدني" وهذا الراوي مختلف فيه، وهو عند ابن حنبل مجروح، أَثُمَّ تريد فوق الجرح ثؤلولا، ومع الحمى دُمَّلا؟ دُونَكَهُ: إن يحيى ابن سعيد الأنصاري _وهو الراوي عن التيمي_ معدود في المدلسين، أرأيتك الٵن، وقد علمت رأي ابن حنبل فيه، ثم أردت أن تحكم عليه بمذهبه، أإنك مطمىٕن إلى صحته، ومستنيم إلى إسناده، ومجاهر بالثلج تجاهه؟! فإذا كان ذلك كذلك، فاعلم أنه لا يكاد يخلو رواة سند من أمثال التيمي ممن جرحه أحد الأطبة، وأسقطه أحد القساطيس، فإذا كان هذا كله هكذا، كان حكم أصح حديث في الدنيا كحكم الحديث المدلس.
تم الوصول إلى 740 شخصًا

رابط دائم رابط التغريدة 219
9:15 AM - 24/02/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. إلى من تنتمي طائفة البهرة
    البهرة: · وهم إسماعيلية مستعلية، يعترفون بالإمام المستعلي ومن بعده الآمر ثم ابنه الطيب ولذا يسمون بالطيبية، وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهند
  2. مسلسل الحفرة الجزء الثاني الحلقة الاولى مترجمة
    شاهد مسلسل الحفرة الجزء الثانى الحلقة الاولي مترجمة على الرابط التالي : https://goo.gl/rWqJFe لاتنسو ترك تعليق بعد المشاهدة وشكرا.... مسلسل الحفرة : مسلسل الحفرة هو عمل درامي تركي جديد، ويعد من
  3. توجد قاعة المرايا الشهيرة في قصر من 5 حروف
    توجد قاعة المرايا الشهيرة في قصر من 5 حروف https://www.adeimni.com/2584/%D8%AA%D9%88%D8%AC%D8%AF-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%
  4. ☀ *إشراقة الصباح*☀ ابدأ يومك متفائلا، فأول ساعة في الصباح هي ال
  5. خطيييييييييييييييييرجـــــدا" الحلقة الأولى من :[علم الغبار والكالكير ومدى تأثيره في عقول #نقابة_الوطنية_للزوايا_بالجزائر]. [رئيس #النقابة_الوطنية_للزوايا_بالجزائر"عامر سليم بن سعد الحسني" له كتاب ورثه عن جده فيه أسرارعلم الغيب، "المشاكل وحلولها"! ]
    "خطيييييييييييييييييرجـــــدا" الحلقة الأولى من :[علم الغبار والكالكير ومدى تأثيره في عقول #نقابة_الوطنية_للزوايا_بالجزائر]. [رئيس #النقابة_الوطنية_للزوايا_بالجزائر"عامر سليم بن سعد الحسني" له كتا
  6. إشراقة غسق
    🌞إشراقة غسق🌞 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسعد الله صباحكم لهذا اليوم الاربعاء 1439/11/5ﮪ 🌷🌻🌷🌻🌷 خيرمانبدأ به آيات عطرة http://cdn.top4top.net/d_3955ac81978.mp 🌷🌻🌷🌻🌷 أذكارالصباح حصن منيع وام
  7. نشرة ٱخبارالأحوال الجوية والطقس(691)​​
    تنبيه متقدم.. الأرصاد تحذر أهالي مكة المكرمة من التقلبات الجوية https://www.almowaten.net/?p=2059836 طقس الثلاثاء.. غبار يحجب الرؤية على 6 مناطق https://www.almowaten.net/?p=2059756 الأرصاد تتوقع
  8. 🌴 هدية اليوم 🌴 🔘 قال #شيخ_الإسلام #ابن_تيمية -رحمه اللّه-: " اﻹ
  9. 📌 قال ابن القيم - رحمه الله - كن من أبناء الآخرة، ولا تكن
  10. وقفات مع مقال الجاهل الفتان عبد الصمد سليمان وبيان ما في مقاله من الجهل والتدليس والبهتان الحلقة الثالثة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد : فهذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات الرد على مقال الجاهل الفتان عبد الصمد سليمان وبيان ما في مقاله من الجهل والتدليس

بحث