الوقت المتوقع للقراءة: 06 دقائق و 20 ثانية

قال الشيخ المُحَدِّث علي بن حسن الحلبي الأثري -حفظه الله-:

الفهمُ الصحيحُ للخلافِ (العلميِّ) المعتبَرِ:
رأيتُ البعضَ(!) يُعَلّقُ على كلامٍ (علميٍّ) لشيخِ الإسلام ابنِ تيميّةَ-رحمه الله-، بما يَشِي بتعلُّقِه بظاهرِه-على وجهٍ منقوصٍ غيرِ علميٍّ-!
يفعلُ ذلك مِن غيرِ أن يراجعَ سِياقَ كلامِه وسِباقَه؛ حتى يعرفَ تَمامَ مرادِه ومقصودِه، وضابطَه الحقَّ-على وجه الصوابِ-!
وهأنَذا-إن شاء الله-أسوقُ جميعَ كلامِه ذي الصِّلَةِ بمقصودِه، وأُوَضِّحُ الأمرَ-بجِلاء-:
فقد تكلّم-رحمه الله-في«مجموع الفتاوى» (24/172-173) عن بعضِ صُور (الخلاف العلميّ) الذي وقع بين السلَف-رحمهم الله، ورضي عنهم-، فكان ممّا قال:
«كَانَ الْعُلَمَاءُ -مِن الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ- إذَا تَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ: اتَّبَعُوا أَمْرَ اللَّهِ –تَعَالَى- فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وَكَانُوا يَتَنَاظَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَةَ مُشَاوَرَةٍ وَمُنَاصَحَةٍ.
وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ[العقائديّة]، وَالْعَمَلِيَّةِ[الفِقهيّة]: مَعَ بَقَاءِ الْأُلْفَةِ، وَالْعِصْمَةِ، وَأُخُوَّةِ الدِّينِ.
نَعَمْ؛ مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَالسُّنَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ، أَوْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ-خِلَافًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ-؛ فَهَذَا يُعَامَلُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ..».
ثم ذكر-رحمه الله-بعضَ صور (الخلاف العلمي)-بين السلَف-في بعضِ (فروع مسائل الاعتقاد)، ثم قال-تغمّده الله برحمته-:
« وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي (الْأَحْكَامِ)؛ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ.
وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ؛ تَهَاجَرَا: لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الـْمُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ، وَلَا أُخُوَّةٌ.
وَلَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رَضِيَ الله عَنْهُمَا- سَيِّدَا الْـمُسْلِمِينَ- يَتَنَازَعَانِ فِي أَشْيَاءَ؛ لَا يَقْصِدَانِ إلَّا الْخَيْرَ...».
قلتُ:
هذا مجمَل كلامِه-رحمه الله-تامّاً.
ولو أردتُ التدقيقَ في تحليلِه؛ لَطالَ بنا القولُ والكلام.
لكنّي أختصرُ وأعتصرُ؛ فأقول:
هذا الكلامُ العلميُّ المؤصَّلُ مبنيٌّ-أكثرُه-على خمسِ قضايا رئيسةٍ:
🔹الأولى: تحرير ماهيّة (الخلاف العلميّ المعتبَر)-سواءٌ أكانَ في بعضِ (فروع مسائل الاعتقاد)، أو سائرِ (مسائل الأحكام)-ممّا عُرف الخلافُ فيه بين أهل العلم-مِن السلَفِ الصالحِ-.
🔹الثاني: بيانُ أهمّية المشاورة والمناصَحة في ذلك-كلِّه-، وأنهما الطريقُ الأوحدُ الذي تُحَلُّ به مثلُ هذه الخلافيّات المعتبَرة؛ بعيداً عن الأهواء المبتدَعة، والمصالح الشخصيّة المخترَعة.
🔹الثالث: أهمّية اعتبارِ (القصدِ الصحيح) فيما يُمكن تسميتُه بـ: (إدارة الخلاف!)؛ وذلك: باحتسابِ صلاحِ العملِ عند الله-تعالى-أولاً-، وبمراقبةِ الإنسانِ -نفسِه-سلوكَه الذاتيَّ-مِن حيثُ الظاهرُ والباطنُ-مَعاً-ثانياً-، مع استحضار (حُبّ الخير للغير)-ثالثاً-.
🔹الرابع: ضَبْطُ القولِ والكلام-بالحُجّة والعِلم-، ورفعُ اللومِ والمَلام-بالتأنّي والحِلْم-؛ فضلاً عن مُجانَبَةِ الإساءةِ في القول، والطعنِ في النوايا، والاستغلالِ الرخيص، والتثويرِ بالباطل!!
🔹الخامس: الحِرصُ على الأُلفةِ والأُخُوة شأْنٌ واجبٌ حَتْمٌ لازِمٌ، وهو أكثرُ وجوباً، وأعظمُ تأثيراً مِن كثيرٍ مِن الاعتباراتِ النفسيّةِ الشخصيّة الذاتيّةِ، التي قد(!)تكونُ نَهَباً للشيطانِ، وسبيلاً للتلعُّبِ بها! ووضعِها في غيرِ مواضعِها- ممّا هو أكبرُ منهاة-!!
وعليه؛ فلا يجوزُ-في أيّ حالٍ مِن الأحوال-إغفالُ هذه (القضايا الخمسِ) -بعضاً، أو كُلّاً- في أَيّ صُلحٍ بعد فساد، أو إصلاحٍ بعد إفساد، أو اعتذارٍ بعد إساءةٍ، أو وِئامٍ بعد خُصومة!
وإلا كان ادِّعاءُ شيءٍ مِن ذلك: عَبَثاً على الواقع! وعِبْئاً على النفس!! وعَيْباً على الحُرّ!!!
..فما أَسرعَ البعضَ(!)عند إرادةِ السوءِ، وإطلاقِ البلاءِ، والطعنِ الظالمِ، والتقوُّلِ الجائرِ-بِما يحتاجُ أقلُّهُ (!) إلى تفكيرٍ عميقٍ، وتَأنٍّ بليغٍ-ممّا ليس فيه للعلمِ نصيبٌ، ولا للنُّصْحِ صِلَةٌ-ولو أُظْهِر أنّه كذلك!-!
وما أَبطأَهُم-واأسَفاهُ-عند الرجوعِ عن صَنيعَةِ الشرّ، والتَّكَأْكُؤِ عن فعائلِ الدَّخَلِ والدَّغَلِ-بِما لا يُحْوِجُ أكبرُهُ (!) إلا إلى المبادَرةِ والمسابَقةِ والمُسارَعة-ممّا نصيبُهُ العلمُ الصحيحُ، والأُخُوَّةُ الأمينةُ-بأَدبيّاتِ ذلك-كُلٍّ-المنضبِطةِ الموروثةِ-قبل مفاجأةِ الأجَل -!
وما أَجَلَّ-وأجملَ-ما رواه الإمامُ مسلمٌ في «صحيحِه»(973)عن عائشةَ أُمّ المؤمنين-رضي الله عنها-، أنّها قالت:«ما أسرعَ النَّاسَ أنْ يَعيبوا ما لا عِلْمَ لهم به».
ولو كنّا في سُوقِ مُقاوَلةِ الكلامِ بالكلام، ومُصاوَلةِ القولِ بالقول: لَرَفعنا الرايةَ البيضاءَ(!)مِن أُولى لحظاتِ الابتداء!
لكنّ الأمرَ حقٌّ ودينٌ-مِن جهةٍ-، وتَعَنُّتٌ وجَوْرٌ-مِن الجهةِ المضادّة-!
سائلاً ربّي-جَلّ في عُلاه، وعَظُمَ في عالي سَماه- الصدقَ مع النفسِ والضَّمير، والتوفيقَ في العَمَل-بغيرِ تَخْسير-، وحُسْنَ التفكُّرِ في العاقِبةِ والـمَصير..

وبعدُ؛ فـــ
أَرَى النَّاسَ إِخْوَانَ الرَّخَاءِ وَإِنَّمَا -- أَخُوكَ الَّذِي آخَاكَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ
...﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة.وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه﴾..

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=589703991429839&id=100011707293874

رابط دائم رابط التغريدة 72
9:03 AM - 4/07/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. تفرد الراوي بحديث بعد ثبوت عدالته لا يكون جرحاً قادحا فيه.
    تفرد الراوي بحديث بعد ثبوت عدالته لا يكون جرحاً قادحا فيه. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله- في "الهدي" (432) في ترجمة عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي: "قال الدوري عن يحيى بن معين: "لا بأس به" ووثقه
  2. نشرة ٱخبارالحوادث (515)​
    الأمم المتحدة تحذر من انتشار الجراد على جانبي البحر الأحمر والمملكة https://www.almowaten.net/?p=2252345 ضبط 4 آلاف عبوة مخالفة ومواد منتهية الصلاحية في مصنع عطور بالرياض https://twasul.info/?p=133
  3. بي بي سي عربي .. النزاهة المفقودة ..
    لكم تراجعت إذاعة بي بي سي عربي في مستوى المهنية والنزاهة الذي كان في يوم من الأيام مصدر تميزها. بالأمس بينما كنت أقود سيارتي عائداً من عمان إلى مادبا سمعت ضيفاً اسمه توم حرب في برنامج حواري يدافع عن س
  4. قصه قبل النوم
    😴قصه قبل النوم 😴 حاتم الطائي احد الجواد الجاهليه الجزء الثاني فلما ادلهم الليل، وتهورت النجوم، وهدأت الأصوات، وسكنت الرجل، إذ جانب البيت قد رفع فقال من هذا؟ فولى حتى قلت إذا قد أسحرنا أو كدنا
  5. باحث في مجال البصمة الوراثية للنبات يرغب في الحصول على نتائج جديدة وحديثة
    باحث في مجال البصمة الوراثية للنبات يرغب في الحصول على نتائج جديدة وحديثة https://www.almseid.org/28112/%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8
  6. التاء المربوطة تأتي في
    التاء المربوطة تأتي في https://www.adeimni.com/10384/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A8%D9%88%D8%B7%D8%A9-%D8%AA%D8%A3%D8%AA%D9%8A-%D9%81%D9%8A...
  7. 🌃 *همسة الوتر*🌃 قال أبو سليمان الداراني: "من أراد أن يسأل الله
  8. كلمات كراش لغز الثلاثاء 19 فبراير اللغز اليومي
    كلمات كراش لغز الثلاثاء 19 فبراير اللغز اليومي http://www.alafker.com/1271/%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B4-%D9%84%D8%BA%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A7%D8%A1-
  9. تصور هيئة الصلاة واستنتج التكبيرات الواجبة
    تصور هيئة الصلاة واستنتج التكبيرات الواجبة https://www.dhakirti.com/23762/%D8%AA%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%AA%D
  10. ما هي الحكمة من تسمية معاصي النظر والسماع والبطش ونحوها بالزنا
    ما هي الحكمة من تسمية معاصي النظر والسماع والبطش ونحوها بالزنا https://www.hlole.com/3167/%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9%

بحث