الوقت المتوقع للقراءة: 23 دقائق و 05 ثانية

حول(أسماءِ الله-تعالى-وصِفاتِه)-5-:

قال الشيخ المُحَدِّث علي بن حسن الحلبي الأثري -حفظه الله-:

مُناظَرةٌ علميّة مع مؤوِّلةِ الصفات الإلهيّة-لشيخ الإسلامِ ابنِ تيميَّة-:

قال-رحمه الله-تعالى-في كتابِه «مجموع الفتاوى» (6/44-50):

(ما مِن نافٍ ينفي شيئاً مِن «الأسماءِ والصفاتِ» إلا وهو يزعُمُ أنه: قد قام -عنده- دليلُ العقلِ على أنه يدلُّ على «التجسيمِ!»، فيكونُ متشابهاً!! فيَلزَمُ –حينئذٍ- أن تكونَ جميعُ «الأسماءِ والصفاتِ» متشابهاتٍ!
وحينئذٍ؛ فيَلزَمُ التعطيلُ المحضُ! وأنْ لا يُفهَمَ مِن أسماءِ الله –تعالى- وَصَفَاتِهِ=مَعْنًى، وَلَا يُمَيَّزَ بَيْنَ مَعْنَى (الْحَيِّ) وَ(الْعَلِيمِ)، وَ(الْقَدِير) و(الرحيم)، و(الجبّار) و(السلام)، ولا بين معنى (الخَلْق) و(الاستواء)، وبين(الإماتة) و(الإحياء)، ولا بين (المجيء) و(الإتيان)، وبين (العفْوِ) و(الغُفران).
بيانُ ذلك:
أنّ مَن نفى الصفاتِ مِن الجهميةِ، والمعتزِلة، والقرامطةِ الباطنيةِ -ومَن وافقهم مِن الفلاسفةِ- يقولون: (إذا قلتم: «إنّ القرآنَ غيرُ مخلوقٍ، وإنّ لله –تعالى- علماً، وقُدرةً، وإرادةً»؛ فقد قلتم بالتجسيم؛ فإنّه قد قام دليلُ العقلِ على أنَّ هذا يَدُلُّ على «التجسيمِ!»؛ لأنَّ هذه مَعانٍ لا تقومُ بنفسها - لا تقومُ إلا بغيرِها-سواءٌ سُمِّيت :صفاتٍ، أو: أعراضاً-أو غيرَ ذلك-)!
قالوا: (ونحن لا نَعقِلُ قيامَ المعنى إلا بجسمٍ! فإثباتُ معنىً يقومُ بغيرِ جسمٍ: غيرُ معقولٍ!)!
قال المُثبِتُ: بل هذه المعاني يُمكِنُ قيامُها بغيرِ جسمٍ؛ كما أَمْكنَ-عندنا، وعندكم-: إثباتُ (عالم)، (قادر) ليس بجسمٍ!
قالت المُثبِتةُ: [كذلك] (الرضا)، و(الغضَب)، و(الوَجه)، و(اليَد)، و(الاستواء) و(المَجيء)- وغيرُ ذلك-؛ فأثبِتوا هذه الصفاتِ –أيضاً-، وقولوا: إنها تقوم بغير جسمٍ!
فَإِنْ قَالُوا: لَا يُعْقَلُ(رِضًا)، وَ(غَضَبٌ) إلَّا مَا يَقُومُ بِقَلْبٍ هُوَ جِسْمٌ! وَلَا نَعْقِلُ (وَجْهًا)، وَ(يَدًا) إلَّا مَا هُوَ بَعْضٌ مِنْ جِسْمٍ!
قِيلَ لَهُمْ: وَلَا نَعْقِلُ(عِلْمًا) إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ! وَلَا (قُدْرَةً) إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ! وَلَا نَعْقِلُ (سَمْعًا)، وَ(بَصَرًا)، وَ(كَلَامًا) إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ!!
فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَقُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ يُمْكِنُ قِيَامُهَا بِغَيْرِ جِسْمٍ! وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُ قِيَامُهَا إلَّا بِجِسْمِ- وَهُمَا -فِي الْمَعْقُولِ- سَوَاءٌ-!؟
فَإِنْ قَالُوا: (الْغَضَبُ) هُوَ: غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ! وَ(الْوَجْهُ) هُوَ: ذُو الْأَنْفِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللِّسَانِ، وَالْخَدِّ-أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ-!!
قِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ (غَضَبَ الْعَبْدِ)، وَ(وَجْهَ الْعَبْدِ)؛ فَوِزَانُهُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ: وَلَا يُعْقَلُ(بَصَرٌ) إلَّا مَا كَانَ بِشَحْمَةٍ! وَلَا(سَمْعٌ) إلَّا مَا كَانَ بِصِمَاخِ! وَلَا(كَلَامٌ) إلَّا مَا كَانَ بِشَفَتَيْنِ وَلِسَانٍ! وَلَا(إرَادَةٌ) إلَّا مَا كَانَ لِاجْتِلَابِ مَنْفَعَةٍ، أَوْ اسْتِدْفَاعِ مَضَرَّةٍ!
وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلرَّبِّ(السَّمْعَ)، وَ(الْبَصَرَ)، وَ(الْكَلَامَ)، وَ(الْإِرَادَةَ) عَلَى خِلَافِ صِفَاتِ الْعَبْدِ:
* فَإِنْ كَانَ مَا تُثْبِتُونَهُ مُمَاثِلًا لِصِفَاتِ الْعَبْدِ: لَزِمَكُمْ التَّمْثِيلُ فِي الْجَمِيعِ!
* وَإِنْ كُنْتُمْ تُثْبِتُونَهُ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ -تَعَالَى -مِنْ غَيْرِ مُمَاثَلَةٍ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ-: فَأَثْبِتُوا الْجَمِيعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَحْدُودِ!
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ؛ فَإِنَّ مَا نَفَيْتُمُوهُ مِنْ الصِّفَاتِ يَلْزَمُكُمْ فِيهِ نَظِيرُ مَا أَثْبَتُّمُوهُ:
-فَإِمَّا أَنْ تُعَطِّلُوا الْجَمِيعَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
-وَإِمَّا أَنْ تُمَثِّلُوهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
- وَإِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا الْجَمِيعَ -عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ، لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ غَيْرُهُ-.
وَحِينَئِذٍ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا -بِإِثْبَاتِ أَحَدِهِمَا، وَنَفْيِ الْآخَرِ -فِرَارًا مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ-: قَوْلٌ بَاطِلٌ؛ يَتَضَمَّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ! وَالتَّنَاقُضَ فِي الْمَقَالَتَيْنِ!!
فَإِنْ قَالَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؛ كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى (الْحَيَاةِ)، وَ(الْعِلْمِ)، وَ(الْإِرَادَةِ)؛ دُونَ(الرِّضَا)، وَ(الْغَضَبِ)-وَنَحْوِ ذَلِكَ-!
فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ فَهَبْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ ثُبُوتُ أَحَدِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ نَفْيُهُ بِالْعَقْلِ –أَيْضًا-، وَلَا بِالسَّمْعِ؛ فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ.
بَلْ الْوَاجِبُ إثْبَاتُهُ -إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِهِ-؛ وَإِلَّا: تُوُقِّفَ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُمْكِنُ إقَامَةُ دَلِيلِ الْعَقْلِ عَلَى(حُبِّهِ)، وَ(بُغْضِهِ)، وَ(حِكْمَتِهِ)، وَ(رَحْمَتِهِ)- وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ-؛ كَمَا يُقَامُ عَلَى (مَشِيئَتِهِ)- كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ-.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: السَّمْعُ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَقْلُ لَا يَنْفِيهِ؛ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
فَإِنْ عَادَ، فَقَالَ: بَلْ الْعَقْلُ يَنْفِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَسْتَلْزِمُ «التَّجْسِيمَ!»، وَالْعَقْلُ يَنْفِي «التَّجْسِيمَ!»!
قِيلَ لَهُ: الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ -الَّتِي تَنْفِيهَا- كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي أَثْبَتَّهَا:
-فَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا «لِلتَّجْسِيمِ!»؛ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ!
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا «لِلتَّجْسِيمِ!»؛ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ!!
فَدَعْوَى الْمُدَّعِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا- بِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ «التَّشْبِيهَ!»، أَوْ «التَّجْسِيمَ!»- دُونَ الْآخَرِ!-: تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ! وَجَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ!!
فَإِنَّ مَا نَفَاهُ فِي أَحَدِهِمَا أَثْبَتَهُ فِي الْآخَرِ! وَمَا أَثْبَتَهُ فِي أَحَدِهِمَا نَفَاهُ فِي الْآخَرِ!! فَهُوَ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ!!!
وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: كُلُّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ -الثَّابِتَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ-؛ فَإِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ-لَا مَحَالَةَ-؛ فَإِنَّ دَلِيلَ نَفْيِهِ-فِيمَا نَفَاهُ- هُوَ –بِعَيْنِهِ- يُقَالُ فِيمَا أَثْبَتَهُ:
-فَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الْعَقْلِ صَحِيحًا بِالنَّفْيِ: وَجَبَ نَفْيُ الْجَمِيعِ.
-وَإِنْ لَمْ يَكُنْ: لَمْ يَجِبْ نَفْيُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
-فَإِثْبَاتُ شَيْءٍ وَنَفْيُ نَظِيرِهِ: تَنَاقُضٌ بَاطِلٌ.
فَإِنْ قَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: إنَّ الصِّفَاتِ تَدُلُّ عَلَى«التَّجْسِيمَ!»؛ لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ؛ فَلِهَذَا تَأَوَّلتُ نُصُوصَ(الصِّفَاتِ)، دُونَ (الْأَسْمَاءِ)!
قِيلَ لَهُ: يَلْزَمُك ذَلِكَ فِي(الْأَسْمَاءِ)؛ فَإِنَّ مَا بِهِ اسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ (حَيَاةٌ)، وَ(عِلْمٌ)، وَ(قُدْرَةٌ) لَا يَكُونُ إلَّا جِسْمًا: يَسْتَدِلُّ بِهِ خَصْمُك عَلَى أَنَّ (الْعَلِيمَ)، (الْقَدِيرَ)، (الْحَيَّ) لَا يَكُونُ إلَّا جِسْمًا!
فَيُقَالُ لَك: إثْبَاتُ (حَيٍّ)، (عَلِيمٍ)، (قَدِيرٍ) لَا يَخْلُو:
إمَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَ «التَّجْسِيمَ!»!
أَوْ لَا يَسْتَلْزِمَ:
-فَإِنْ اسْتَلْزَمَ: لَزِمَك إثْبَاتُ الْجِسْمِ، فَلَا يَكُونُ لِرُؤْيَتِهِ مَحْدُودًا -عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ-!
-وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ: أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ إثْبَاتَ (الْعِلْمِ)، وَ(الْقُدْرَةِ)، وَ(الْإِرَادَةِ) لَا يَسْتَلْزِمُ «التَّجْسِيمَ!»:
فَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ؛ فَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ!
وَإِنْ كَانَ هَذَا يَسْتَلْزِمُ؛ فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ!
فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ فَرَّقَ: فَهُوَ تَنَاقُضٌ جَلِيٌّ.
فَإِنْ قَالَ الجَهْميُّ، والقُرْمُطِيُّ، وَالْفَلْسَفِيُّ -الْمُوَافِقُ لَهُمَا-: أَنَا أَنْفِي «الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ» -مَعًا-!
قِيلَ لَهُ: لَا يُمْكِنُك أَنْ تَنْفِيَ جَمِيعَ «الْأَسْمَاءِ»؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةِ الْقَلْبِ، وَتَعْبِيرِ اللِّسَانِ عَمَّا تُثْبِتُهُ.
فَإِنْ قُلْت: ثَابِتٌ، مَوْجُودٌ، مُحَقَّقٌ، مَعْلُومٌ، قَدِيمٌ، وَاجِبٌ-أَيَّ شَيْءٍ قُلْتَ!-؛ كُنْتَ قَدْ سَمَّيْتَهُ!
وَهَبْ أَنَّك لَا تَنْطِقُ بِلِسَانِك:
إمَّا أَنْ تُثْبِتَ بِقَلْبِك (مَوْجُودًا)، (وَاجِبًا)، (قَدِيمًا)!
وَإِمَّا أَنْ لَا تُثْبِتَهُ:
-فَإِنْ لَمْ تُثْبِتْهُ: كَانَ الْوُجُودُ خَالِيًا عَنْ مُوجِدٍ، وَاجِبٍ، قَدِيمٍ، وَحِينَئِذٍ: فَتَكُونُ الْمَوْجُودَاتُ –كُلُّهَا- مُحْدَثَةً مُمْكِنَةً!
وَبِالِاضْطِرَارِ: يُعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ الْمُمْكِنَ لَا يُوجَدُ إلَّا بِقَدِيمِ وَاجِبٍ؛ فَصَارَ نَفْيُك لَهُ مُسْتَلْزِمًا لِإِثْبَاتِهِ!
ثُمَّ؛ هَذَا هُوَ الْكُفْرُ، وَالتَّعْطِيلُ الصَّرِيحُ -الَّذِي لَا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ-.
وَإِنْ قُلْت: أَنَا لَا أُخْطِرُ بِبَالِي النَّظَرَ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَنْطِقُ فِيهِ بِلِسَانِي.
قِيلَ لَك: إعْرَاضُ قَلْبِك عَنْ الْعِلْمِ، وَلِسَانِك عَنْ النُّطْقِ: لَا يَقْتَضِي قَلْبَ الْحَقَائِقِ! وَلَا عَدَمَ الْمَوْجُودَاتِ! فَإِنَّ مَا كَانَ حَقًّا، مَوْجُودًا -ثَابِتًا فِي نَفْسِك-؛ فَهُوَ كَذَلِكَ -عَلِمْته أَوْ جَهِلْته، وَذَكَرْته أَوْ نَسِيته-!
وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إلَّا الْجَهْلَ بِاللَّهِ –تَعَالَى-، وَالْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ، وَالْكُفْرَ بِهِ!
وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ -فِي نَفْسِهِ- لَيْسَ حَقًّا مَوْجُودًا، لَهُ «الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى»، وَ«الصِّفَاتُ الْعُلَى».
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ غَايَةُ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالْمُعَطِّلَةِ الدَّهْرِيَّةِ: أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ، وَضَلَالِ الْكُفْرِ؛ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ، وَلَا يَذْكُرُونَهُ!
لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِهِ وَنَفْيِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَزْمٌ بِالنَّفْيِ! وَهُمْ لَا يَجْزِمُونَ!
وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى النَّفْيِ-وَقَدْ أَعْرَضُوا عَنْ أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ-، وَصَارُوا جُهَّالًا بِهِ، كَافِرِينَ بِهِ، غَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِهِ، مَوْتَى الْقُلُوبِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَعِبَادَتِهِ.
ثُمَّ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ –بِزَعْمِهِمْ!- لِئَلَّا يَقَعُوا فِي «التَّشْبِيهِ»، وَ«التَّجْسِيمِ»!
قِيلَ لَهُمْ: مَا فَرَرْتُمْ إلَيْهِ شَرٌّ مِمَّا فَرَرْتُمْ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالصَّانِعِ -عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ- خَيْرٌ مِنْ نَفْيِهِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ هَذَا الْعَالَمَ الْمَشْهُودَ-كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ- إنْ كَانَ قَدِيمًا، وَاجِبًا بِنَفْسِهِ؛ فَقَدْ جَعَلْتُمْ الْجِسْمَ الْمَشْهُودَ قَدِيمًا، وَاجِبًا بِنَفْسِهِ: وَهَذَا شَرٌّ مِمَّا فَرَرْتُمْ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا، وَاجِبًا بِنَفْسِهِ: لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَانِعٌ قَدِيمٌ، وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ؛ وَحِينَئِذٍ: تَتَّضِحُ مَعْرِفَتُهُ، وَذِكْرُهُ بِأَنَّ: إثْبَاتَ الرَّبِّ -بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ- حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ-سَمْعًا وَعَقْلًا-:
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِمَا سَمَّيْتُمُوهُ: «تَشْبِيهًا»، وَ: «تَجْسِيمًا»؛ فَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ: أَمْكَنَكُمْ إثْبَاتُهُ بِدُونِ هَذَا الْكَلَامِ.
فَظَهَرَ تَنَاقُضُ النُّفَاةِ -كَيْفَ صُرِّفَتْ عَلَيْهِم الدَّلَالَاتُ-، وَظَهَرَ تَنَاقُضُ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ!
فَإِنْ قَالَتِ الْنُّفَاةِ: إنَّمَا نَفَيْنَا الصِّفَاتِ لِأَنَّ دَلِيلَنَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ: دَلَّ عَلَى نَفْيِهَا؛ فَإِنَّ الصَّانِعَ أَثْبَتْنَاهُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَحُدُوثُ الْعَالَمِ إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَالْأَجْسَامُ إنَّمَا أَثْبَتْنَا حُدُوثَهَا بِحُدُوثِ الصِّفَاتِ -الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاضُ-!
أَوْ قَالُوا: إنَّمَا أَثْبَتْنَا حُدُوثَهَا بِحُدُوثِ الْأَفْعَالِ-الَّتِي هِيَ الْحَرَكَاتُ-، وَإِنَّ الْقَابِلَ لَهَا لَا يَخْلُو مِنْهَا، وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ؛ أَوْ أَنَّ مَا قَبْلَ (الْمَجِيءِ)، وَ(الْإِتْيَانِ)، وَ(النُّزُولِ): كَانَ مَوْصُوفًا بِالْحَرَكَةِ، وَمَا اتَّصَفَ بِالْحَرَكَةِ: لَمْ يَخْلُ مِنْهَا، أَوْ مِن السُّكُونِ -الَّذِي هُوَ ضِدُّهَا-، وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ، فَإِذَا ثَبَتَ حُدُوثُ الْأَجْسَامِ؛ قُلْنَا: إنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ؛ فَأَثْبَتْنَا الصَّانِعَ بِهَذَا!
فَلَوْ وَصَفْنَاهُ بِالصِّفَاتِ، أَوْ بِالْأَفْعَالِ -الْقَائِمَةِ بِهِ-: لَجَازَ أَنْ تَقُومَ الْأَفْعَالُ وَالصِّفَاتُ بِالْقَدِيمِ، وَحِينَئِذٍ: فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ: فَيَبْطُلُ دَلِيلُ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ!
فَيُقَالُ لَهُمْ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ بُطْلَانَ هَذَا الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ.
وَإِثْبَاتُ الصَّانِعِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ تَفَاصِيلِهَا-وَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُ جُمَلِهَا-.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَوْ كَانَتْ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَالْإِيمَانُ بِهِ: مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ؛ لَلَزِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ عَارِفِينَ بِاَللَّهِ، وَلَا مُؤْمِنِينَ بِهِ.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ-بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ-.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ لَمْ يَأْمُرُوا أَحَدًا بِسُلُوكِ هَذَا السَّبِيلِ:
-فَلَوْ كَانَتْ الْمَعْرِفَةُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ -وَهِيَ وَاجِبَةٌ-: لَكَانَ وَاجِبًا!
-وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً: كَانَ مُسْتَحَبًّا!
-وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ مُسْتَحَبًّا: لَشَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
-وَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا: لَنَقَلَتْهُ الصَّحَابَةُ).

....والهادي هو ربُّ العالَمين-جَلَّ في عُلاه، وعَظُمَ في سَماه-.

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=667064383693799&id=100011707293874

رابط دائم رابط التغريدة 107
2:51 AM - 14/10/2018

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. تفاصيل مقتل هفرين خلف، من هي هفرين خلف السيرة الذاتية - ويكيبيديا
    تفاصيل مقتل هفرين خلف، من هي هفرين خلف السيرة الذاتية - ويكيبيديا https://www.knzhlol.com/5200/%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D9%87%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D8%AE%D9%8
  2. قصه قبل النوم
    😴قصه قبل النوم 😴 *من أسرة فقيرة إلى لقب أول رئيسة محجبة في العالم* *حليمة يعقوب* ولدت يوم 23 أغسطس/آب 1954 في سنغافورة، والدها كان حارسا وهو مسلم من أصل هندي، ووالدتها تنتمي لأقلية الملايو،
  3. حل لغز الاثنين 14 اكتوبر كلمات كراش 2019 التحديث اليومي
    حل لغز الاثنين 14 اكتوبر كلمات كراش 2019 التحديث اليومي https://www.kinghlol.com/6466/%D8%AD%D9%84-%D9%84%D8%BA%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%86%D9%8A%D9%86-14-%D8%A7%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B
  4. 🌃 *همسة الوتر*🌃 يكفيك أُنسًا في الدعاء أن الله بغناه يسمعهُ م
  5. من هو زهير مخلوف
    زهير مخلوف ويكيبيديا السيرة الذاتية https://mjtmhlol.com/9421/%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%AE%D9%84%D9%88%D9%81-%D9%88%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D
  6. تركت الشمس في الصباح ورائي واتجهت إلى مدرستي
    تركت الشمس في الصباح ورائي واتجهت إلى مدرستي https://www.gotaglob.com/2331/%D8%AA%D8%B1%D9%83%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D9%88%D8%B1%D8%A7
  7. تفاصيل مقتل هفرين خلف في سوريا ويكيبيديا من هي المهندسة الكردية هفرين خلف ويكيبيديا السيرة الذاتية
    تفاصيل مقتل هفرين خلف في سوريا ويكيبيديا من هي المهندسة الكردية هفرين خلف ويكيبيديا معلومات عن المهندسة الكردية هفرين خلف ويكيبيديا من تكون هفرين خلف السيرة الذاتية تفاصيل مقتل هفرين خل
  8. ☀️☀️☀️☀️☀️☀️☀️☀️ 💡👈🏼 نـصـيـحـة غـالـــيـة 💡 📌راجِعوا حس
  9. البط الأسود ..... HoQa
    الوعي الطبقي الحاذق لفقراء العراق، بات يعمل بوصفه المظلومية الاجتماعية -اللامذهبية- الحاضنة للكبرياء الوطنية الباحثة عن وطن من جهة، والمنعتقة أيضاً من وهم التدين الزائف والأسلمة السياسية من جهة أخرى.
  10. نشرة ٱخبارالطب والصحة والتغذية(502)​​
    الوجبات السريعة تتلف الكبد http://www.kolalwatn.net/news353261 تناول القهوة بالسمن.. 4 فوائد صحية مذهلة https://twasul.info/?p=1440863 أفضل 5 أطعمة لزيادة متوسط العمر المتوقع https://v.sa24.news/201

بحث