الوقت المتوقع للقراءة: 05 دقائق و 21 ثانية

التوحيد في الدعوة الربانية

بِسْم الله الرحمن الرحيم
التوحيد في الدعوة الربانية
اعلموا سلمكم الله
أن التوحيد أصل المسائل الرسالية
والقرآن أصل دلائلها.
فلا عجب أن يكون مقصود القرآن التوحيد.
وهذه الحقيقة على الجملة محل اتفاق بين الأمة السنية بصورة عامة وبين دعاة السنة بصورة خاصة.
لكن (محل التنبيه) أو لنقل: (مفترق الطرق) بين الادعاء والتحقيق يكمن في أثر المسائل والدلائل الرسالية على قلب العبد.
وعند التدقيق في آيات الكتاب العزيز نجد النص المحكم مبينا لهذه الحقيقة وموضحا لذلك الأثر ومنه قوله تعالى :{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.

ذكر الله تعالى أربعة أمور:
* أمرين؛ هما مادة الوحي: (الكتاب)، (والإيمان).
* وأمرين؛ هما صفة الوحي: (الروح)، (والنور).
فالكتاب هو أصل الدلائل الرسالية وهو القرآن الكريم.
والإيمان هو أصل المسائل الرسالية. وأساسه التوحيد واعتقاد وحدانية الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته.
وهذان الأمران هما مادة الوحي وحقيقته ومقصوده. وهما (الذكر)
- الإيمان معناه.
- والكتاب لفظه.
فهما قرينان لا ينفصلان اقتران اللفظ بمدلوله
فالكتاب بلا معناه يصبح (هذّا) كهذ الشعر.
والمعاني من غير قرآن تصبح (هذيانا).
والموفق من يأخذ المعاني الشرعية من الألفاظ القرآنية فيجمع بين (الإيمان)، (والكتاب).
فإذا تقرر هذا انتقل إلى معرفة (أثر الوحي) على (قلبه) وكيف السبيل إلى تحصيله؟
وذلك مبني على معرفة (صفة الوحي) المذكور في الآية وهما وصفان: (الروح)، (والنور).
فأما (النور) فهو صفة الوحي التي من شأنها أن تكشف للعبد عن الطريق الموصلة إلى الله -تعالى-.
ومثالها الحسي (الشمس) التي تنير للخلق الدنيا حتى يبصروا فيها مصالحهم.
وهي لا تنفع إلا بوجود آلة الإبصار الصالحة فيهم فبلا بصر العين لا ينتفع من ضوء النهار.
وكذلك الحال بالنسبة لنور الوحي لا ينتفع منه العبد إلا بوجود نور الفطرة فمن سلمت فطرته من التغيير تمت بصيرته بالوحي وأهتدى إلى تفاصيل الحق وسبل الجنة.
وأصل الفطرة معرفة الله بالكمال المطلق.
وأما (الروح) -وهي الصفة الثانية للوحي-؛ فهي صفة من شأنها أن تحمل العبد على امتثال الشرع والاستقامة على الطاعة والسير على الصراط المستقيم.
وأصل ذلك محبة الله لكمال ربوبيته ورحمته.
وغذاء هذه المحبة بالآيات المتلوة، والآيات المشاهدة تمدها بالقوة حتى ينطلق لسانه بالذكر وجوارحه بالعبادة لصفاء حياته ونقائها.

ومن هذه الحقائق الشرعية ينطلق المصلح الرباني في دعوته إلى الله -تعالى- تصفية وتربية
فيبدأ بتصفية القلب -تصفية معرفته بربه ومحبته له- من شوائب الشبهات والشهوات التي تفسد الفطرة وتغيرها، وتضعف إرادة الحق في قلبه.
وذلك بتعريف العباد وتذكيرهم بحقيقتين:
الحقيقة الأولى: كمال الخالقية لله تعالى وانفراده بها {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} وهذا هو مفتاح تصحيح المعرفة بالله.
الحقيقة الثانية: كمال إكرام الله وإنعامه على عباده وأعلاه إكرامهم بالوحي والتعليم {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}
وهذا هو مفتاح تصحيح محبة الله.

ولا عجب أن يبدأ الله تعالى وحيه بذلك؛ فأول ما نزل من القرآن على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق في أصح قولي أهل العلم.

فالخالقية فيها جلال الله الذي يورث القلب الذل والخضوع. فناسب أن يذكره بأصله المهين {خلق الإنسان من علق}
والإكرام يورث القلب المحبة والمودة.
وباجتماعهما يحصل (التعظيم) التام لله تعالى وهو تأله القلب لربه محبة وذلا.
كما قال الله -تعالى-: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام}.

فإذا تأسس أصل العبودية في القلب وصفى من شوائب الشبهات والشهوات تأهل العبد لوظائف العبودية والسير على الصراط المستقيم.
وهنا تبدأ مرحلة التربية
والرباني من يؤسس تربيته على (تعليم الكتاب) ودراسته كما قال -تعالى-:{ولكن كونوا ربانيين بما كُنتُم تعلمون الكتاب وبما كُنتُم تدرسون}
فالكتاب أصل الدلائل الشرعية ومنه تؤخذ المقاصد الرسالية، والمطالب الإلهية وأصلها (الإيمان) الذي لبه وروحه التوحيد وإفراد الله بالعبادة؛ لذلك نجد أن الله -تعالى- صدر الآية السابقة وألحقها بتوحيد العبادة ونفي الأرباب سواه حتى لو كانوا من الملائكة والنبيين.
{ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كُنتُم تعلمون الكتاب وبما كُنتُم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: ٧٩ - ٨٠].

فنستخلص من ذلك أن التربية الربانية تكون بتعليم الأمة توحيد العبادة بالآيات القرآنية حتى تحصل الغاية المطلوبة من خلق الإنس والجن كما قال تعالى :{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.

فتبنى العبادات والمعاملات على التوحيد فهي فروعه ولوازمه.
وهذه حقيقة يجب أن تتضح عند التعليم والتربية أن الواجبات الشرعية والآداب المرعية من عبادات ومعاملات هي لوازم الإيمان والتوحيد وكمالاته الواجبة والمستحبة.

لذلك كثيرا ما يقرن الله ورسوله في النصوص الشرعية الأوامر والنواهي (بالإيمان بالله واليوم الآخر).

وقد قرر الله قاعدة كلية في ذلك فقال:{ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون}

والرشد هو سلوك طريق الاستقامة بالقيام بالطاعة امتثالا للأوامر وتركا للنواهي.

وقد قصر الله تعالى عليهم (الرشد) وأكده وأخبر عنهم به بدلالة ضمير الفصل (هم) وجعله خبرا ثابتا عنهم في جملة تفيد الثبوت؛ لرسوخ هذا الوصف في قلوبهم.
وذلك ناشئ عن (تحبيب الله الإيمان إليهم وتزيينه في قلوبهم) فدل ذلك على أن الأعمال التعبدية فرع الإيمان ولوازمه.

والخلاصة: أن الدعوة الربانية تجعل التوحيد أصلا في تعليم الناس وتربيتهم، ولا ينفك الرباني عن تصفية أصوله الفطرية في القلوب -معرفة بالله ومحبة له- حتى تسلم من الشبهات والشهوات.
ولا ينفك عن تربية قلوبهم وأبدانهم على أصوله وواجباته وكمالاته حتى تكون حياتهم كلها على العبودية التامة التي خلقوا لها.
ولا ينفك عن الاسترشاد بالآيات القرآنية في الوصول إلى هذه المطالَب والمقاصد تعليما ودراسة للكتاب والحكمة.

فقارن أيها الداعي إلى الله تعالى بين ما سبق تقريره كما هو صريح النصوص الشرعية وبين دعوتك إلى الله تعالى؛ فإن وفقت إلى ذلك علما وعملا فما أعظمها من نعمة وما أجله من فضل جاد به المولى الحكيم العليم عليك بلا سبب منك ولا استحقاق بل هو محض فضله ونعمته.
وإن كانت دعوتك في غير ذلك فيا حسرة عليك إن لم تصحح عملك.
فما هي إلا نفخة كبر من الشيطان والهوى سارت بك إلى غير جادة.
سرت مشرقا وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب

{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}

والحمد لله رب العالمين.


كتبه: حمد أبو زيد العتيبي
عفا الله عنه

رابط دائم رابط التغريدة 62
12:25 PM - 24/01/2019

اشترك بالقائمة البريدية لتصلك أفضل المقالات أسبوعياً

أحدث الإضافات

  1. ما تعريف الحرارة
    ما تعريف الحرارةhttps://mslkalhlwl.com/2266/%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A9 ما تعريف الحرارة...
  2. تذكرة الصبـاح: ‏"وما يزال عبدي يتقرّبُ إلي بالنوافل حتى أحبه، فإ
  3. ☀ *إشراقة الصباح*☀ ‏صباح_الخير مُمتنين يا الله لكُل التفاصيل الص
  4. 🌹🍃🌹 حين يعتاد القلب على نثر بذور الحب لمن حوله سيظل نابعا"
  5. إشراقة غسق
    🌞إشراقة غسق 🌞 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسعد الله صباحكم لهذا اليوم الاحد 1440/6/19 ﮪ 🌷🌻🌷🌻🌷 خير مانبدأ به آيات عطره cdn.top4top.net/d_a106a6aadf0.mp3 🌷🌻🌷🌻🌷 اذكار الصباح حصن منيع وامان يغش
  6. الفرق بين توثيق الإجمالي للرواه وبين توثيق الراوي بعينه
    الفرق بين توثيق الإجمالي للرواه وقولهم "رجاله ثقات" أو: "رجاله موثقون" أو: "رجاله موثوقون" أو: "رجاله ثقات أثبات" أو: "رجاله معروفون بالثقة" ونحو ذلك من العبارات وبين توثيق الراوي بعينه وقولهم "ث
  7. نشرة الإخباراليومية (2079)​​​
    خذ الكلام الزين و الشين خله و الخيــر لامن وافقك لا تردد خلك مع الطيّب : و لا تستغله وجنّب عن اللي لا بغيته تصدد 🌿🔹 *همسة محب*🔹 ‏"دائمًا استشعر أنّ الله ما ألهم
  8. #الجراد #الحكومه
    ما جئت تصنع يا جـراد بديرتـــي غيلانها لم تبق قبلك او تذر قلبي عليك اذا سمعت نصيحتي ستجوع في بلد الكرام وتحتضر فتش جيوبك عن فتات الخبز تدفعها ضرائب في الحدود لتأتشر فاذا حملت من الفتات نصابها
  9. لماذا نمشي ؟
    لماذا نمشي ؟ نمشي لكي نخفف من التوتر والضغط النفسي، نمشي لكي نخفف من أوزاننا، نمشي لكي نتعالج من مرض السكري والكلسترول، نمشي كي ننشط وظائف الكلى والكبد والعين، نمشي كي ننشط من عمل القلب، نمشي
  10. حل كلمات كراش لغز الاحد 24 فبراير اللغز اليومي 2019
    حل كلمات كراش لغز الاحد 24 فبراير اللغز اليومي 2019 https://www.almseid.org/28923/%D8%AD%D9%84-%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B4-%D9%84%D8%BA%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%A

بحث